نحن والعمارة

بين القوالب الفنية لعبارة «لا غالب إلا الله»، التي تكررت بشكل هائل وزينت بأعداد لا نعرفها الجدران الداخلية لقصر الحمراء في إشبيلية الأندلسية بإسبانيا، حتى ارتدت على المكان تاريخاً وجمالاً وهوية، وبين الهلاليات الجصية الناعمة المنحوتة حول أقواس الأعمدة في فناء منازلنا العتيقة، وابتعادنا عنها رغم جمالها وهي كالتيجان في زواياها الفاتنة وسع الأركان، بين هذا وذاك ليتنا كررنا الأهلة الرقيقة على جداريات بيوتنا ومضينا بها نحتاً ونقشاً.

التميز والإبداع في الهوية المعمارية متوفران في كل عمارة من عمائر هذا العالم، ولسنا بحاجة إلى جلب البعيد لنتداوله، فبقدر اقتناعنا بما لدينا ولنا وما يقيم بنا، بقدر ما هو مراجعة لهيئة منازلنا الأولى وفق إحساسنا الثقافي والمكاني وبالتالي استرجاع لنموذجنا، وإن كان لدينا معمار بسيط يقدر على تحديد معالمنا الخاصة، أما الدرس الأندلسي بتكرار الزخرفة الواحدة، فاتخذته كمثال وتفعيل جديد لمعمارنا الكلاسيكي، ويمسي الهلال خطاباً يعيد ذاته، بدلاً من التغريب.

نحن لسنا ضد التحول الهندسي المعماري العالمي الذي ساعد المدن في تكوين عالمها الافتراضي للاستهلاك والاقتصاد وخلق منافسة بين المدن الاقتصادية والأسواق والمراكز الحضارية، هذا التحول لا صلة له بالموضوع، فالقرارات هذه نتيجة الخيارات السياسية والاقتصادية بعد ازدياد سكان العالم وهي مشروطة وخاضعة للربح وتوسعة الرزق والمنافسة..

ونحن مع بقاء خاصية المدن، لكننا مع ديمومة زخرفتنا على ناطحات السحاب من الخارج وبأجود المواد البنائية، لحدوث ما نرجوه من تناغم بين الوجود الافتراضي الاستهلاكي المطلوب للمعمار الحديث، والحضور الحقيقي لمعمارنا.

تعديل البيئة الطبيعية هو سلوك مثل بقية الأنشطة البشرية، يتم تنظيمه وصياغته النهائية حسب السلوك النفسي والثقافي والجسدي لنا، فالعمارة الفنية حدثت نتيجة شؤوننا الأخلاقية والإنسانية وتجاربنا الطويلة مع المناخ لتطور الزخرفة كجزء من المكان نفسه وبشكل فني وشعري وديني وفلسفي، لذا شهد الأجداد هذا التراكم المعماري القائم على مشاعرهم وفكرهم وكل ما كان بين أيديهم، كما هو الفناء في منازلنا حين كان داخلياً نظراً للخصوصية وسهولة مراقبة ربة البيت منزلها، وحضور الفن بين الشرفات بزخارفها النباتية والهندسية والأقواس والهلاليات التي كانت حاجة جمالية وهوية كما نرى في بيوت الشندغة والفهيدي بدبي ومجمل بيوت الشرق.

ما نتمناه على بلدية دبي العودة لتلك الرخصة والسماح لبناء منزل بفناء داخلي لا خارجي لمن أراد، أي كما كانت في الخمسينيات. الهروب إلى ما لدى الآخر من معمار يغير السلوك، وانعكاس متعدد الوجوه من هيكل وتفاصيل... قامت الرمزية في لحظات حسية ضرورية، وأخيراً ما لدينا من قليل يكفينا لتكراره بحيوية في منازلنا، كما في قصر الحمراء من تكرار عبارة واحدة فقط بات حلماً رتق المكان رغم الزمن، أما إعادة هلالنا وزخرفته بلا شك هو ركيزة معززة في أرواحنا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات