الجُملة الأولى

جُملة استفزازية واحدة بحاجة إلى أيام لصياغتها، وربما إلى شهور لمراجعتها حتى يستهل بها الروائي روايته. بلا شك أنها جملة قصيرة لكنها كفيلة بتتبع القارئ صفحات طويلة، ويصبح الكتاب ناجحاً بواسطة تلك الجملة الأولى التي لخصت الكثير بومضتها ولم توضح إلا القليل. جملة أولى مثالية تشغل القارئ ليتوج بها صبره طوال السرد منذ اختراعها وتصبح هوية الرواية.

يشهد الروائي على تغييره تلك الجملة كل حين وحتى بعد الانتهاء من العمل الروائي.. يفتش عن جملة مثيرة أو ساخطة أو مغيظة.. لتصبح الزعيمة الكافلة والضامنة لنجاح العمل بأكمله، فيستبدل بالجملة الأولى مراراً جملاً عديدة حتى يهتدي، لأنها البدء نحو التوسع والطيران في فضاء اللغة منذ أن خلقت الرواية الحديثة، ووداعاً لكان يا ما كان في قديم الزمان، وأهلاً بالجملة الذهبية لتصبح القاعدة للكتابة الحقيقية وخطف القارئ ولفت انتباهه ورميه على صهوة المتن بغية الأريحية السردية للروائي فيما بعد، وهو يستخدم أدواته التي يحترفها من لغة وفكرة وحبكة.

ثمّة رواية إيطالية بدأت جملتها بقول: «تحتوي المدينة في الليل على رجال يبكون في نومهم...» كانت فاتحة سرده التي استفزّ بها القارئ، وكانت كفيلة بأن تُحسن نوع الكتابة في عين القارئ، وإن أتى ما بعد الجملة الأولى سرد عادي.

الرواية لم تعد سهلة أمام كل ما يكتب، ولكن كمثال قريب منا، نجحت الروائية جوخة الحارثي في خلق تلك الجملة الأولى والمميزة في روايتها سيدات القمر: «ميا التي استغرقت في ماكينة خياطتها السوداء ماركة الفراشة استغرقت في العشق».. جملة جعلت القارئ يستغرق في بقية سردها ويستمتع بكل كلماتها اللاحقة.. جملة تُقرأ في 3 ثوانٍ خلقتها جوخة لإغواء القارئ وشده لساعات نحو مشاعر الأحداث طوال طريقها السردي وهي تمضي في مرارة مطباتها وحلاوة أحداثها.

إذن السحر كيف تقبض على القارئ وتحكم عليه بالجلوس منذ الجملة الأولى، فالقراء اليوم باتوا لا يرضون إلا بقراءة العواطف الحادة وشيء يمس القلب من فرح وألم منذ تلك البداية المغذية لمشاعر الرواية، من الترقب وتقنية البرد والحر والغضب والفرح، حتى يمسي القارئ صامتاً يجلس طويلاً لا يريد التوقف بعد يقظة هذه الجملة الأولى التي لا تُنسى والمعنى الذي يجري خلفه، ويبحث عما بعد وماذا بعد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات