زمن السيداف

الكتابة ذوق، وفي الكثير من الأحيان تعبير عن تفكير أو مشاعر أو تنفيس، لكن يبقى قول بنجامين فرانكلين عن الكتابة والكتب دقيقاً للغاية: «إما أن تكتب شيئاً يستحق القراءة أو أن تفعل شيئاً يستحق الكتابة»، ولا شك في أن معلمة مادة التاريخ وداد خليفة النابودة اعتمدت هذا المنهج، فاتخذت بعد التقاعد، شكلاً من أشكال العزلة لما يزيد على أربع سنوات، والعزلة هنا ليست مقاربة للوحدة، بل اعتزلت لتروي روايتها الأولى والخالدة «زمن السيداف».

أقول خالدة؛ لأنها عبرت طويلاً عن آلام صفحاتها البيضاء لزمن منسيّ في دبي أطلقت عليه الكاتبة «زمن السيداف»، وهو الوقت العصيب الذي مر على الإمارة بعد ركود اللؤلؤ وقبل بزوغ النفط، وتصوغ تفاصيل ما نعرفه وما لا نعرفه بأسلوب رشيق ورقيق، ولغة عاطفية مؤثرة ودقيقة، وبرغبة كانت في الأصل ومضة، لتروي زمناً صعباً لم نعشه، بل ربما لم يعد أحد من زمن السيداف اليوم على قيد الحياة.

والسيداف قبل أيام كان حديث أوساط الشباب القارئ عن معناه، على الرغم من تسمية هذا النبات العتيد على اسم شارع من شوارع منطقة البرشاء الواسعة بمجتمعها السكني الكبير في جنوب دبي، إلا أنه لا يتجلى كمعنى في هذا الشارع العصري الذي لا ينام بسبب إمكاناته التجارية ومحالِّه الباهرة، لتكرسه الكاتبة في عنوان الرواية كي لا يغيب أكثر في ظاهرة التطور السريع، ويعود هذا النبات بقوة في لغة الأدب وإمكانيته الهائلة في زمنه الذي سمي باسمه كنبات شحيح يُغلى في الماء ليؤكل، لكنه كان متصدراً في فوائده وجنسه الشجاع في قتله للبكتيريا وتقوية المعدة الجائعة وتنقية الدم.

«زمن السيداف» للروائية وداد خليفة تجربة سردية شجية بذلت فيها جهداً لتعود بالذاكرة الأبوية، واللهجات المحكية الجمعية، التي لم تعد على الألسنة وتقوم بتحريك القلب ومشاعر الذات والتكوين الأصلي، من خلال حكاية الطفلة المسروقة ومصائر صنعت مرحلة، لتصبح رواية «زمن السيداف» صالحة لدراسات واسعة.

مرحلة السيداف أعادتها لنا هذه الروائية المبدعة، التي مارست مهنتها كمعلمة بأمانة ورأت كيف كانت المناهج المدرسية تنقل ما لم يكف نظرتها هي كمواطنة محبة لإرث مشاعر إماراتها الماضية، تجاهلت بعد التقاعد العالم حولها وعانقت الغياب لتعيده سرداً، وكأنها مثلت قول الأديب الراحل حمد بوشهاب:

هل أنت مثلي محبٌ أيها القلمُ

تشدو وتبكي كما أبكي وتبتسمُ

وتصنع الكاتبة أدباً يُقرأ بحب، ضمن إطار الهوية الأدبية مع أقدم النباتات جنساً وتوافراً في المنطقة، لتتبوأ في مكانتها الجديدة في الرواية بعد أن أشبعت الجائع بهذا النبات، في زمن يمور بكل ما حمله من مرارة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات