قبر لعاشقين

معظم القبور المكتشفة في المواقع الأثرية الإماراتية المختلفة قبور جماعية، كالقبور الدائرية في أم النار بأبوظبي، والهيلي في العين، ومليحة في الشارقة.. فيها من الهياكل ما يدل على اختلاف أعمار المدفونين، ومن فترات زمنية متقاربة، ولا يعني ذلك سوى أنهم كانوا يفتحون القبر عند كل وفاة، لدفن ميت جديد، سواء كان امرأة أو طفلاً أو رجلاً.. جميعهم من أسرة واحدة، أي أنه قبر عائلي خاص، أو في نظرية اجتهادية أخرى أنهم أقرباء أو من بلدة واحدة، يرقدون بجانب بعضهم بعضاً، ووجوههم نحو شروق الشمس وهم في سكون مستمر.

برأيي أن القبور الجماعية من أكثر المدافن إبداعاً وتمثيلاً لروح العلاقة بين هؤلاء، فحسب معتقدهم سوف يفيقون رفقة بعضهم حتى في العالم الآخر.

ولأننا نعلم أنه لا يمكننا وضع القبور الجماعية والأحادية في خانة واحدة، للخصوصية التي تصبغ كلاً منها، نتحدث اليوم عن القبور الثنائية، لأطرح سؤالي هذا المتصل بالروحين حباً وموتاً، خاصة بعد قراءتي خبراً جديداً هذا الأسبوع لعلماء آثار اكتشفوا قبراً ثنائياً يعود لحضارة «الهاربان» في الهند، لامرأة ورجل دُفنا معاً بموقع «راخيغاري» شمال غرب مدينة دلهي، ووجهاهما لا إلى الشروق كما هي ديانات العالم القديم، بل إلى بعضهما بعضاً، ينظران إلى عينيهما، وكأنهما يتوجان عاطفتهما السرمدية إلى ما بعد الموت.

يحفر علماء الآثار شرقاً وغرباً ومنذ قرون، وما زالوا يكتشفون، ونحن لا نغفل أبداً فضل اكتشافهم الأسرار والدلائل التي غيّرت مفاهيمنا حول الإنسان القديم، ما يدعونا إلى أن نستبدل مفاهيمنا أيضاً حول العشاق الأوائل، وإلا كيف يُدفن هيكلان عظميان في قبر واحد ولزوجين عاشقين؟!

ما اكتشفناه حتى الآن من القبور الثنائية قليل جداً، أحدها في إيطاليا أي يعود للحضارة الرومانية، وآخر في اليونان يعود إلى زمن الإغريق، وثالث في روسيا، وأخيراً هذا القبر الثنائي قبل أيام في الهند، لنتأكد أن هذه القبور حُفرت بعد قصص استثنائية، وقد تم تحديد جنس الهيكل العظمي بعد تحليل ودراسة منطقة الحوض، وتقدير عمرهما الذي يتراوح بين 21 و35 عاماً، لتثير القصص الثنائية العاشقة الشابة في الحياة اهتمام علماء الآثار وعلماء الاجتماع، وقريباً المبدعين من صُناع السينما والرواة.. لبناء النظريات بعد دراسة، والتخيلات بعد بحث، بهدف الوصول إلى الدافع الذي أودى بمن واراهما معاً.

المجازفات الجمالية العاطفية تجربة رؤيوية غير متكلفة وفي كل العصور، من أجل مكانة الحب المرموقة، بوصفها نوعاً من أنواع التعبير الجوهري لصوت الإنسان والمكان، فمن أجل ثقافة الوفاء حوّلت هذه القصص إلى أطياف أثرية، ومهما كان، ها هو قبر ثنائي أثري جديد، يضم اثنين وبهوية عاشقين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات