حكايات حروفنا

في عامنا الجديد واختباراً لقدرة الحياة فينا، فلتكن النيّة الأولى أن تتبرعم في قلوبنا الألفة والسكون كحرفنا الأول الذي لاحت منه لغة الإنسان، فالحروف المعبرة عن كينونتنا لم تأتِ صدفة، لذا يهمني أن أشير أولاً إلى حرف «الألف» في العربية، الذي يمتاز بالاستقامة والسلام، لم يقدنا إلا إلى تسميته ألفاً أو أليفاً من الألفة.

يعتقد البعض أن الأبجدية إيقاعها غامض، حيث تلبس الحروف اللغة لبوسها الخام فتصقلها، وهذا غير صحيح، بيد أنني لا أقصد هنا الترصيع اللفظي، لكنني أحاول الاستفادة من الأساطير بوصفها معيناً للتفسير والإبداع، فبعضها ذات أصول. انظروا للحرف الأول في الأبجدية اللاتينية (A) والذي دُشن للشروع به، فإن قلبناه ووضعنا نقطتين أي عينين في مثلثه المغلق، سيبدو كرأس ثور بقرونه، والثور أليف ورفيق واجتماعي ومؤنس للإنسان.

اختُرعتِ الحروف في مناسبات وأحداث، فحين أتت السيول وأغرقت الإنسان القديم، شيد بيتاً للحماية والسكن، ومن خلال حرف الباء وهو في اللغة المنزل والاستقرار وفعل اتحاد، وقد أتى قول نبي الإسلام «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج...» وكذلك في اللاتينية حرف (B) يرسم على شكل منزل بغرفتين.

للحروف شخصيات ومعان مثل الإنسان تماماً، كحرف الميم الملتوي في اللاتينية (M) ماء يموج فينا دون انتظام، أليس هذا ما يجري لنا في الحياة؟ وإلا كيف تتبدل مصائرنا؟ حرف يتمايل وكأنه يعبر عن نفسه بالإشارات والحركات، ليعصف بنا ويضج، والجيم الواضح، (ج) المرسوم كسنام جمل، والشين كما ننطقه محلياً بمعنى القبح، مروراً بالعين المرسومة باتساع...

كرست الحروف نفسها كفعل خاص وسلوك مفهوم، سواء في الأبجدية العربية الحالية، أو الأبجدية اللاتينية بوصفها من أصل فينيقي آرامي سامي... فلدينا حرف الصاد (ص) مرسوم كأداة صيد بسكين ومَمْسَك اليد، ها قد صادَ به أو صدَّ لنفسه وانتهى الأمر، أتى كفعل ماض لا أمر، حتى أتى الضاد بعده، والضاد منافس ومخالف، وكم ضد لنا في هذه الحياة؟ ما عدا المضاد الحيوي بوصفه ضداً للمرض، وهنا تكمن حكمة الإنسان في قدرته على تفسير الأدوار.

أما القاف، فبلا شك أن مصدره قافَ أي تتبع أثره، وهو الحرف الحادي والعشرون في حروف الهجاء، اختاره الإنسان ترتيباً وعداً، ليتم استقبال الرؤساء بإحدى وعشرين طلقة نارية، لحرف فخم وقدير تعني القيافة متربعاً على عرش الضيافة، وكم أنصح بعدم هجره نطقاً بعد أن هجرته لغات عديدة.

من اليقين أن الثقافة في الحرف، وللحروف فقه... ولا يكفينا هنا سوى الكاف سواء في العربية (ك) والمرسوم على شكل كف يد، أو في اللاتينية (K) كف اليد مع التفريق بين الأصابع... فلنكفَّ، وننهِ حيثما بدأنا في الألف والألفة، وليكن عامنا هذا أليفاً يألف أدبنا وطباعنا، لنألف حركاته.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات