إبداعٌ بلا اسم

قبل أيام نَشرتْ صحيفة البيان استطلاعاً حول الأسماء المستعارة، فكانت الآراء متباينة بين قبول نصوصهم الإبداعية أو رفضهم لها، واليوم ومع إصرارنا جميعاً أن يتجلى الاسم قبل العمل، تظهر لنا روائية إيطالية، وباسم مستعار «إيلينا فيرانتي» رغم أعمالها الروائية الخلاقة والمترجمة إلى معظم لغات العالم، وما زال اسمها الحقيقي مجهولاً سوى لناشرها، بعد أن كان إخفاء الهوية شرطاً مسبقاً منها.

كتبتْ كثيراً ومضت السنوات على رواياتها التي أصبحت مجلدات في سلسلة بعنوان «نابوليتان» عن فتاتين ذكيتين من «نابولي» تعيشان في زقاق، ذواتي ثقافة مستهجنة، لتمضي في حكايتهما بعمق، وتُذهل القراء رواياتها المتتابعة، ويتجاوز الذهول إلى الكاتبة نفسها، ليبدأ البحث عن هوية الاسم المستعار، خاصة بعد أن تم ترشيح إحدى رواياتها لجائزة أدبية إيطالية، وتُقدم أعمالها الأدبية بأنها الأهم، لتعدها مجلة «تايم» الشهيرة من الشخصيات المؤثرة لعام 2016م بلا حضور جسدي أو هوية حقيقية، بل فقط بلقبها المستعار «إيلينا فيرانتي».

الكاتبة من خلال ناشرها أو كما يقال من بريدها الإلكتروني، صرحت بعدة تصريحات، منها: «الكتب بمجرد كتابتها لا تحتاج إلى مؤلفيها»، و«هل يجب أن تصوروني جسداً مع كتابي، وكأنني سيدة مع كلبها»، «أرغب في إزالة الذات من كل أشكال الضغط الاجتماعي»، «هدفي الحرية الكاملة للعمل على استراتيجية كتبي».

رغبتها شديدة للمحافظة على سرية هويتها منذ روايتها الأولى عام 1992م، بيد أن المتطفلين كثر في هذا العالم، من إعلاميين وأكاديميين... ليحللوا ويتكهنوا ويطرحوا النظريات حول حقيقة هويتها، وبناء على معلومات قدمتها الكاتبة، أو تحليلات مستمدة من محتوى سردها.

ولا خلاص، فقد طال الفضول النقادَ من خلال رسائلها المنشورة وسيرتها.. ليلقوا الضوء ولو على جزء من هويتها، فلها جملة تقول: «أنا أدرس وأترجم وأُعَلّمْ»، كما خدع أحد الصحفيين القراء وأثار الجدل مدعياً أن لديه حواراً معها، حتى صَرَّحَ الناشر بأنه وهمي.

امتد الفضول إلى فريق من علماء اللغة والحاسوب في جامعة عريقة بتحليل 105 روايات كُتبت بالإيطالية، سبع منها للكاتبة المجهولة لوضع تحليل لأعمالها وإثبات جنسها، لتخرج الكاتبة بتعليقها: «هذا التحليل للأسف متجذر في فكر الرجل، بأن الكتابة النسوية ضعيفة».

وهكذا أخذني استطلاع البيان و«إيلينا فيرانتي» إلى كل تلك التماثيل المعروضة في مجمل متاحف الآثار القديمة العائدة لحضارات سالفة كالإغريقية والمصرية القديمة وحضارة بلاد الرافدين، كلها منحوتات فريدة لملوك وأمراء وكهنة وشخصيات تاريخية، لكن جميعها بلا ذكر لأسماء نحاتيها المبدعين، وكأن الإبداع عمل مطلق لا يجب أن يحمل اسم المبدع، ألم يكن التفكير مختلفاً، فماذا يفعل الناس بأسماء المبدعين بعد موتهم؟ جميعنا نحب أسماءنا، لكن ما أجمل أن يبقى الإبداع بلا اسم.

 

 

تعليقات

تعليقات