مبالغات «غويا» الصادقة

اصطبغ الرسام الإسباني «فرانشيسكو غويا» بخصوصية مميزة أخفق غيره من الرسامين في رسمها، لمشاهد لم تأتِ على بالهم، وملامح لشخصيات تبدو شديدة الخيال، أبرزهم سحرة وأشباح وشخصيات من الجن، وكأن غويا كما يقول الصوفيون: (قد رُفع عنه الحجاب)، بعد رسمه عوالم غائبة عن الأذهان.

وليس العبرة في رسمهم فحسب، فبريق السخرية بلا حدود في لوحاته الكئيبة، ليهزأ بأقصى ما لديه من تعبير وحشي... لكنه بقي صادقًا وصريحًا وهو المزدحم في لوحاته المدهشة في قسوتها وشدة غلوها، لتفخر به مملكة إسبانيا إلى اليوم. هذا الفنان الذي سبق زمنه بإدراكه الواقع، فحين يدرك المرء، يصبح فطنًا وواعيًا، وما الوعي إلا يقظة الروح وتنبؤ واجتياز...

الأمر الذي يجعله يُعبر في لوحة من لوحاته عن ذلك الخط الحساس الذي نصنعه لأنفسنا، كي يتجاوز الآخر ويلهو بنا، معتقدين بأنه النصيب أو القدر، إلى لوحة يناقش فيها الرياء وزيف الوجه والقفز عبر نافذة المراقبة، إلى أخرى رسم رجلان بأرجل من حصان يحملان حمارين، لمشهد تمثيلي يعبر عن الطبقة الكادحة والمكابدة في المجتمع، ورجل يجلس بأناقة وهو مستغرق في النوم، وحوله طيور الخفافيش، بلا شك أنها ظهور الأوهام إذا نام العقل...

...ولأن الخداع حكايته أزلية، يذهب غويا إلى تخطيط لوحةٍ لرجلٍ برأسِ تيس ينصح الناس وهم منصاعون له، في إشارة إلى المحتالين كيف يتربعون المواقع والأحوال... ولوحة لوجوه قبيحة تضحك وتأكل، ليكشف عن المشوهين الذين يأكلون ويشربون على نفقة الغير، ويستحوذون بجشعهم ونهمهم على كل شيء، إلى لوحة رَسَمَ فيها بعض الأفراد بأشكال مخيفة تقص أظافر بعضها البعض، وهي لمحة عن جماعة الفساد وهم يجملون بعضهم البعض، ويتضامنون في الأناقة الفاسدة...

ولأن هناك من يعبث بالسقم، نجد في إحدى لوحاته مجموعة من البائسين بوجوه متعبة ومريضة تتوسل لببغاء جالس في الأعلى وهو الطبيب الماهر في لسانه والكاتب لوصفات طبية قاتلة، أي طبيب برتبة مجرم، فكيف له أن يذهل مرضاه ويحولهم إلى جثث هامدة؟

الأشكال الدميمة شائعة في مجمل لوحات «غويا»، بهدف إفشاء الخطايا كلها، ومواضيع لا حصر لها، ليكمل المسير ويمضي بنا إلى حالات التسول، وتوحش الرجال في ابتزازهم للأطفال، إلى سوداوية البعض وعدم تمييزهم بين النور والظلام، وعن امرأة تُساق كالعمياء تحت شعار الزواج، وعمن يأكل الطعام الساخن إلى الأبد ليبقى بلا هدف.

يوم كامل في متحف «ديل برادو» في العاصمة مدريد، ومع لوحات «غويا» العميقة التي على الرغم من مرور أكثر من قرنين عليها، ما زالت مواضيعها متكررة في مجتمعاتنا، وهنا تكمن قيمة المتاحف الفنية والفكرية... فهي تصلح للذاكرة الساهية، وللمزيد من الانتباه.

تعليقات

تعليقات