كأس العالم 2018

مدن الأدب

أجمل المدن التي نرجو إتيانها في أيام الأسفار القادمة، هي مُدن الأدب، والتي تقدمها منظمة «اليونسكو» بعد اختيارها العميق لنا، مع تقديم الأسباب الملائمة التي تجعلنا نلتزم بزيارتها حباً وتقديراً، فمدن الأدب في العالم لا تتعدى في أعدادها سوى خِيرة وصفوة سواد المدن.

ولطالما راودني شعور غامض عن تلك المدن كيف يجب أن تكون؟ لأذهب إلى برشلونة، هذه المدينة الأدبية الأولى في أوروبا ومنذ القرن التاسع عشر حين تمتعت بوجودها العالمي كمركز ساهمت في ترويج الأدب الإسباني والكتلاني بشكلٍ مزدهرٍ ومستقل، أدبٌ بلغة يقرأه شبه الجزيرة الأيبرية في الجنوب الغربي الأوروبي، وقارة أميركا الجنوبية ودول أخرى كثيرة، لتتضاعف المكتبات العامة في شوارع مدينة برشلونة، مما أضافت للاقتصاد المليارات، ومدت قطاع الأدب من معارض وترويج بالديناميكية الكبرى.

ترسيخ الإبداع ودعم الأحداث الأدبية وتعزيز التأثير الدولي... لا يقوم بأمر فرد بقدر ما يقوم على رعاية كاملة من المراكز الثقافية كلها من قطاع الأدب وبخطة بعيدة المدى، وبتصميم قريب من الوجدان، سواء على المستوى المحلي وتطبيق منشأة جديدة تعزز شبكات المؤلفين المحليين للأدب، أو دعوني أقول بتنفيذه مشاريع جديدة تقوم بزراعة الكُتّاب والكتب.

فما يكتبه المجتهدون من غير موهبة تدخل ساحة الشهرة المؤقتة والمنسية، أما التربة الخصبة لزراعة الكتب الحقيقية لتأتي أُكُلُها، فهي لدى المنقذين من المحررين، فلنتجاوز تكرار الوجوه والأسماء في مهرجاناتنا الإبداعية، باستضافة أولئك المحررين الذين لا نعرفهم، وليصبحوا أقوى الزوار، لمناقشتهم ومحاورتهم كيف يتعزز مستقبل الكتابة، وخلق محرر عربي صادق وفطن.

المحرر ليس مُدققاً، فما أكثر المدققين، ولا ناشراً تاجراً، ولا مستشاراً أدبياً، هذا اللقب الذي أصبحت مؤسسات عربية تمنحه لمن تريد التخلص منه بذوق.. محرر الكتاب الأدبي هو المغربل للحكاية، ينخلها، ويصفيها من جديد برؤية ثقافية مبصرة، يراقب النص كمن يشاهد من بعيد مشاهدات مميزة.. وهذا بحد ذاته يحتاج موهبة وشجاعة وثقافة كي يضيء الكتاب من ملوثاته وما يحتوي من ملل.

زيارتنا لمدن الأدب مثل مدينة إدنبرة الأسكتلندية، ودبلن الإيرلندية، وريكافيك الأيسلندية الملهمة، إلى مدينة لفوف الأوكرانية الخالدة في ابتكارها عيداً للشوكولا وعيداً للقهوة، وعطلة للجبن ويوماً للخبز... ننتقل في تلك المدن من مهرجان تذوق الطعام، إلى مهرجان الأدب الدولي، حيث يلتقي كل محرري الأدب هناك... ونقف باحترام أمام هؤلاء الذين يقومون بصناعة النشر وبشكل حقيقي لا غيرهم، أقول حقيقي فغير ذلك ما هو إلا استعراضي وتجاري.

في مهرجاناتنا نريد أن نجد للمحررين طريقاً في دعواتنا، فليس كل مشهور علينا دعوته، فالمحرر لا يمكنه أن يكون مشهوراً رغم أهمية وجوده في عالم الكتب في مدن العالم المتقدم، فلا أحد غيره ينعش الكتاب ويساعد على نجدته وإن كان كتاباً بسيطاً.

مدن الأدب تغيث النصوص وتساعدها على الوضوح من فوق أرضٍ قلقة، لتختبر قدرة الحياة المتمثلة بالمصير أمام تداعي الأدب.

تعليقات

تعليقات