صحراء «ألبرتو مورافيا»

أصبحت رحلات الصحراء موضة بعد أن كانت مغامرة للسابقين، لكن حين قرأت كتاب «رسائل إلى الصحراء» للروائي الإيطالي «ألبرتو مورافيا» بطل الحياة والكتابة في القرن العشرين، والذي ولد في أول القرن ورحل في آخره، كان له رأي آخر ومدهش.

بحث مورافيا عن الصحراء ولم يكن يعرف لغاتها أو خرائطها... لكن التأمل والتفكر والرؤى كان شغله الشاغل كروائي، فما الذي قاله عن كل هذه الرمال، فالغربي يشهق حين يقرأ قصص الصحراء، عكس العربي الضليع بها، فمعظم الدول العربية تشقها القفار وعلى امتداد حدودها.

نعلم أن كثيراً من الغربيين بحثوا عن الصحارى وما فيها من أسرار خبيئة، ولأسباب مختلفة تمكنوا من التوغل فيها بعد أن عبّروا بلهجة أهلها وآدابهم وأسلوب حياتهم، لكن وما يهمني هنا أن أشير أولاً أن الروائي ألبرتو مورافيا ليس مستشرقاً، وكذلك المستشرق ليس روائياً، فبَونٌ شاسعٌ بين أن يكون الإنسان مفتشاً ومدققاً وباحثاً لينقل ما يجري، وبين أن يكون متأملاً ليتنبأ.

في كتابه «رسائل إلى الصحراء» الذي أهداه للرمال الضاربة إلى الصفرة وأشعة الشمس وسراب المياه وكل ما هو واقعي رغم ما يبدو أمام أعيننا من خيال... ننتبه معه إلى قدرة الحياة خارج المدن بعد أن كتب مشاهداته عن سُحُب الغبار التي تطاردها الريح، وشعوره باللهب الذي لا يحتمل، مع صمت عميق يغزو المكان، وحضور الضيف المدعو باليأس المرافق للخيبة حين كان يعيد تسخين بقايا قهوة باردة مبيتة من اليوم الذي قبله... تأكد بأن الفراغ لا يمكن فحصه بالعين، فهل من الممكن أن نراقب الفراغ؟ لا شيء يبقى سوى التأمل لكل ما هو مستتر وراء هذا الخواء.

يصل مورافيا إلى مرحلة الوجود ويتعلق بالأفق، وليحصل الأغرب، حين يصف الصحراء بالمدينة، لأن المسألة كما نتج عنه فكره هو التكيف في الحياة اليومية لكليهما، فعندما يغدو الطعام والنوم وقضاء الحاجات مهمة معقدة في الصحراء، فالحياة في المدينة أيضاً مغامرة لا حدود لها.

لقد كان روائياً حقيقياً، لكونه قادماً من منظور المشاعر والأحاسيس بالواقع الذي يعيشه، لتصبح الظروف الاعتيادية لنا وأينما كنا هي أرضية الظروف الخارقة للعادة ذاتها وأينما نكون.

الصحراء كما قال تشبه ملايين الأمواج المنبسطة في وجه الأفق، إنها الطبيعة الحقيقية التي لا اتجاهات فيها، إنها العزلة الروحية، وتيقن أن الحاجة الطبيعية هي في وحدة الفلاة الواقعية، فأي إنسان يتمخض من الصحراء المهولة اللامتناهية الخيالية الرتيبة، حتماً هو يأتي من الفراغ، ليحمل بالامتلاء.

تعليقات

تعليقات