قياساتٌ ملونة

يقول الملاح أحمد بن ماجد في كتابه الفوائد: «إياكم وفساد القياس»، ويمضي بالقياس في كل فصل من كتابه، ليفضي به شرحاً وتفسيراً في طرقات البحر والسماء، من قياس الأنجم والرياح، وينصح الربابنة أثناء الإبحار أن يضعوا القياس معياراً، لأنه أصل النجاة. وكقارئة وجدت في قياسه للفلك ما يتداخل مع سلوكنا، لأعادل نصوصه العلمية خُطى مشاعر الإنسان وعلاقاته الإنسانية.

معلمنا الجلفاري وملاحنا الأكبر ترك لنا مخطوطات شديدة الأهمية، كرس نفسه طويلاً ليقيس كل شيء، فذكر مثلاً بأنها أربعة: الشمال والجنوب والصبا والدبور، ولأن علومه بَحرية، فالرياح التي يقصدها كلها في البحر، ليحدد بعد قياس أن رياح الشمال تُفرق السحب، فتؤثر في علاقاتنا، ورياح الصبا تلم السحب، وكأنها الطمأنة، ورياح الدبور تنثر السحب، نقابلها بعدم المجازفة، أما رياح الجنوب فتدره، أي تهجم من حيث لا ندري، فلنحترز في أواصرنا وما يربطنا ببعض.

أما الريح التي تهب بين ريحين، فإن عصفها يعمل على تقريب القلوب لأنها لا تأتِ إلا من البحر في الليل، أي تهب بسلام. تماماً كما قال العرب عن شخص كريم ومحب: «هبت ريح فلان» ولا تهب الريح إلا من مكان بارد، ونعلم جميعاً كأبناء الخليج أن الرياح القديمة كانت تؤثر في قربها وبعدها علينا، فكنا نترقبها وإن لم نُبحر.

كنتُ حيال قياساته، لأربطها إلى أبداننا وسلوكنا، ففي الريح درجات تصل إلى طوفان، فكان يذهب إلى نصح الربابنة، ويقول في أرجوزته: (الليل مجرى والنهار مجرى/ يطول الطريق أن أخطأ تَم القياس).

أي قِس رحلتك في أولها لا في آخرها، ليصبح الإبحار شبيهاً بسفر الحياة.

يمضي القياس بنا، في أن نخوض أمراً أو لا نخوض، فإن أردنا المعرفة فعلينا مراقبة القمر في مَنازلهِ العديدة، يقول: «إذا نزل القمر وهو سعد، يصلح لجميع الأعمال». بذلك سمي إحدى منازل القمر «سعد السعود». ويقول: «سمي النجم نجماً لانجامه أي طلوعه زمناً طويلاً». والعرب حين يدعون لأحد بالخير، قالوا: «أنت ناجمٌ إن شاء الله» أي طالعٌ حظك وذو نجم شجاع. لذا كان الخليجي الأول يهتم بمعرفة نجمة ابنه منذ ساعة الولادة التي تبين فيها طالعه.

يقيس لنا أيضاً كوكب الزهرة المؤثر في عواطفنا، فيصفه بأنه متوهج وثقيل المسير، فإن أردتم رؤيته بالعين المجردة، ففي الثلث الأوسط من الليل أمام القمر المعلوم في السماء الدنيا. ويكمل في أرجوزته: (عذولي لام فيك فما أجنه/ فاعكس بالوصال فبيح ظنُّه/ وغازلني وهامت وخذ وكاشف/ بما تخفى القلوب وما تكنُّه).

كان يركز على القياس ويطول في شرحه لإيصاله لنا بأنه أساس كل شيء... وبالتالي لم يمتحن الأجداد أنفسهم ومشاعرهم وسير أمورهم في الحياة، بقدر مواجهتهم دقة تلك الحسابات. قرأتُ كتابه منذ أيام وأنا في دهشة من أمري لمَ هو مهمل في حياتنا؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات