اللبان.. حكاية شجرة ما زالت تبكي

ت + ت - الحجم الطبيعي

تقول الأسطورة إن فتاة من الجن أُغرمت بفتىً من عالم الإنس، وكان هذا النوع من الحب خرقٌ لقوانين قبيلة الجان، ليقرروا معاقبتها بتحويلها إلى شيء ما، بكت طويلاً حتى اختارت بعد إصرارهم الشديد أن تكون شجرة.


مرت آلاف السنين على هذه الشجرة الصامتة والمجروحة والتي باتت تُدعى اللُبان، ودموعها ما زالت جارية على شكل مادة صمغية تتجمد إلى حبيبات بيضاء تفوح برائحة المسك، إذن نحن أمام فتاة على شكل شجرة ما زالت تبكي عشقاً، تُخرج من جذعها دموعاً بلورية بطعم الشجن، ينثرها الناس على الجمر ليتحول إلى دخان نقي، وبشذى يشفي العليل، وطعمٍ مُرٍ بمرارة الحزن نابعٍ من قلب جذعها المتيم.


ارتدت دموعها مع الزمن حبوباً لتصبح من ذوات السلالات البعيدة، وتتحول إلى دواء طبي تقليدي ينمو وينتشر بين المجتمعات القديمة، ليدركها المعاصرون، بأنها تُمضغ ولا تُبلع، وبأنها تقضي على الأنفاس الملوثة في الهواء.

وعلى الأمراض المستعصية، وتعدل المزاج، وتزيل الاكتئاب، وتكفكف الحزن بعد عصر خلاياها وتحويلها إلى زيوت من بلسم، بل أخذ رجال الدين يطهرون بها دور العبادة تبخيراً، وهكذا أخذت تُكرس لعلاج القريب والبعيد، الأمر الذي جعلها سلعة رابحة للتجار.


هذه الميثولوجيا القادمة من ظفار عُمان وبلاد اليمن والقرن الأفريقي المتمثل بالصومال، نلمس بخورها في كل بيوت الإمارات وجزيرة العرب والعالم، ألا تستحق بأن تُكتب وتتحول إلى مشروع أدبي تحتفي به الدنيا؟ لم ندعها محبوسة في فقرة شفهية عابرة؟

إنها أسطورة جعلت من قصة حبٍ جارفة وإن كانت خرافية تتحول إلى واقع نلامسه ونتداوله، يا له من خيال شعبي! أليس من حق هذا الظل أن يتحول إلى أدب له قواعد وأصول يشاد فيه بذكر البطل والبطلة، كما هي القصص والروايات والملاحم.. وإن كانت من الخوارق.


الخرافات لا أصل لها، لكن سرد الدهشة مشروع أدبي جميل يحتفي به كل العالم، وهذه الشجرة تصلح بأن تغدو أسطورة مدهشة لما في حكايتها من فلكلور شفهي وصراع بين الخير والشر، واختلاف الاعتقاد بين عالمي الإنس والجن وكل ما يتعلق بالإنسان وطبيعته الفطرية، فلا نتوهم إن قمنا بتحويلها إلى ملحمة لما للملاحم من مآثر وبطولات.

فما أشجعها وما أجملها من شجرة مغرمة ومجروحة أخرجت دموعها حبوباً بلورية من جذعها وببطولة فائقة لتعمل على شفاء البشر. أليس الحب هو ما ننشد وما نبتغي بين بعضنا البعض؟ كفيلة إذن بأن تتحول أدباً ميثولوجياً لا غنى عنه، كي لا تبقى فكرة مؤالفة الأسطورة والملاحم في أوطاننا ناقصة.

طباعة Email