في مدينة دبا التي تبعد عن الفجيرة حوالي 35 كم تقع قرية البدية الجميلة النائمة بين البحر والجبال، وقد اشتهر أهالي هذه القرية الخضراء بالصيد والحرف اليدوية والزراعة وتربية المواشي.. لكن شهرة مسجدها البدية طغت على باقي مزايا القرية، إذ يُعد هذا المسجد أقدم معمار في أرض الدولة، حيث أظهرت نتائج التحاليل الكيماوية بواسطة الكربون 14 أن المسجد يعود بتاريخ بنائه لعام 1446م أي في القرن الثالث عشر الميلادي.
ومما لفت نظري طراز الأعمدة الداخلية والمقوسة للمسجد، وكذلك القبب الحلزونية على سطحه والتي تبدو كقبب مرصوفة فوق بعضها البعض، فهي أقرب ما يكون إلى الفن القوطي، وكذلك باب المسجد الصغير أي مدخله والذي يبدو وحيداً ومقوساً قوطي الهيئة، شبيهاً بباب بغداد في مدينة الرقة السورية، قوطي الطراز والمعمار، وباب بغداد هو من بقايا برج متصل بسور.
ليس ما أذكره دليلاً ثابتاً لكنه قريب لطالما ربطنا هويات المعمار بعضها ببعض، فالبناء القوطي بفنونه وأنواعه يعود إلى العصور الوسطى في أوروبا، أي إلى الفترة التي بني فيها المسجد، وبدورها قامت أوروبا باستلهام هذا الفن في بنائها وعمرانها، ونستطيع أن نلحظ ذلك واضحاً في معظم كاتدرائيات أوروبا، إذ هي بمجملها قوطية الطراز.
وبمقارنة زمنية بين مجريات الأحداث الكثيرة التي شهدها ذلك العصر نجد أن من أهمها حادثة وفاة المهندس الإيطالي فيليبو برونليسكي عام 1446م، المعروف بتخطيطه قبة كاتدرائية فلورنسا بإيطاليا، هذه القبة الشهيرة والاستثنائية في جمالها، والتي صممها على نظام العمارة القوطية، حيث أصبحت ذاكرة مستدامة للعالم وللمكان ولعبقريته الفنية الخالدة.
يقول البعض إن المسجد عثماني الطراز، لكن هذه الفترة تحديداً لم يصل آل عثمان بعد إلى القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، أي اسطنبول كما سماها محمد الفاتح بعد دخوله اليها.. لنقارن طراز مساجدها بمسجد البدية، ومن المعروف أن معمار الدولة البيزنطية في مجمله قوطي الطراز.
ومما تجدر الإشارة إليه أن السلطان العثماني محمد الفاتح الذي دخل القسطنطينية، أخذ يجدد عمرانها بشكل متداخل فنياً مع المعمار الذي سبقه، أي البيزنطي قوطي الخليط بعمائر البحر الأبيض المتوسط.
في النهاية فإن المعمار القوطي مميز وعريق، ومسجد البدية يحتاج إلى المزيد من البحث في ما يخص طرازه المعماري الفريد.