حين غيّب الموت جدتي عن الحياة في تسعينيات القرن الفائت، ظلت تزورني بين الفينة والأخرى عبر مفرداتها المختلفة التي استوطنت حافظة طفولتي، ولم تغادرني أبدًا، مفردات موغلة في القدم تجتاح ذاكرتي في هيئة ترانيم محتشدة في أراجيزها تارة، وفي هيئة مصطلحات لا تخلو من الغرابة تارة أخرى، تفاصيل لم أستطع الفكاك منها لعمقها ورسوخ حضورها، منها على سبيل المثال لا الحصر أنها كانت تُطلق كلمة شمش «بكسر الشين الأول والميم» على الشمس ناهيك عن كلمات أخرى تليدة ومورثة ظلت حاضرة في تفاصيل كلامها حتى أيامها الأخيرة.

تنطوي الأيام وتنقضي السنون، لأعبر المدن القديمة بوصفي طالبة في قسم التاريخ، أطلع على الآثار والمعابد القديمة، وتخصيصًا تلك المكرسة لعبادة الشمس، حين كان المعبود الأول قبل الأديان، تعرفت خلال رحلتي العلمية تلك على اسم شِمِشْ من جديد وكان اللافت والمفاجئ لي أن يجيء الاسم مطابقاً في النطق لما عهدته من جدتي، اسم ازدحمت به مكتشفات المعابد في جزيرة العرب والصحراء العربية وغيرها ولوحظ أنه مدوّن على أضرحة القبور بوصفه معبودًا ذكرًا لا أنثى.

هذه المعرفة شجعتني إلى الاستفاضة في قراءتي عن شمش الإله أو شماش كما كان يطلقها البابليون والآشوريون في بلاد الرافدين، متقلدًا الشمس صفة العدالة، الأمر الذي جعل الملك حمورابي المعتلي لعرش بابل يتخذه مصدر إلهام في سَنِّ قوانينه التي سميت بـ«شمش العادل».

ظل شمش حاضرًا بمعناه الإلهي لعصور عدة، واستمر العالم القديم يبجل هذا القرص الملتهب، فَعَبَده البدو والبحارة والملوك، مستلهمين منه معنى القوة المشرقة كما رسم له رمزُ يشير إليه، يتمثل بالشكل المثمن حول دائرة، وشيدت لشمش المعابد الكبرى كمعبد أتون في مصر، وفي مأرب معبد بلقيس، أو معبد برأن وأوام..

.. كما تم اكتشاف معبد «إله الشمش» في منطقة الدور بإمارة أم القيوين، حيث وجدت البعثة الأثرية المبنى الحجري المربع، والمذبح للأضاحي، وقد كتب على المبخر "شِمشو" بالآرامية، لنفهم أن عبادة الشمس كانت شائعة في العالم كله.

تبقى أسماء ومفردات كثيرة مثل شِمِشْ وغيرها التي وصلتني من جدتي منذ أن همست لي بهم، إلى ما تعلمته ودرسته، لتبقى في آفاقنا كلمات نرثها ولا نعي دلالات نُطقها الموروث، وتحتاج فقط بحثًا لنمضي بها.