مئات الآلاف - إن لم نقل ملايين - من المخطوطات، خُطت في العالم القديم كله، وبعدة لغات وعبر قرون طويلة وبعيدة، وها قد مضت، لنعي الآن قيمة تلك الأوراق السالفة والجلود المميزة، ونفطن جماليات تلك الخطوط القديمة بأنواعها وألوان الحواشي والمتون في مساحات صغيرة وجانبية من تلك الصفحات العتيقة، نبيع ونشتري فيها كمقتنيات ثمينة، فخرًا بأنها رقاع من جلودٍ لغزلان، تعود إلى حقبة تليدة وإن كانت في فترات ممزقة.

لكن الحقيقة في معظم هذا التليد من المخطوطات أنها بلا قيمة علمية أو أدبية فعلية، مجرد نسخ وتكرار، مع علم المقتني أنه لن يلقى في مخطوطته علمًا جديدًا سوى قيمة الزمن الذي مضى وجمال الخطوط.، فما حدث من تغيير في هذا العالم عبر الزمن كان سببه مخطوطات فكرية وعلمية مميزة ونادرة في ما تحمل من جديد لا يهترئ، ومن ابتكارات علمية وطبية وحسابية وفلكية وجغرافية وفلسفية وآراء، لكنها قليلة جدًا مقارنة بالمجموع. نستطيع أن نعدها بالمئات فقط، أما المئات من الآلاف منها فليست سوى توثيق لرسائل متبادلة وأمور مالية وكميات لبضائع تجارية وأسماء قضاة وولاة وعسكر.. نسخٌ لقصائد ذات مستوى أقل من العادي وتسجيل لثرثرة في مواقف مضحكة افترضوا أنها خالدة، أو سيرة عابسة توهموها عظة شفافة.. إلى آخر هذه الأمور، كما يحدث الآن.

ومن ضمن ما أعني مخطوطات تومبكتو التي في أعدادها وصلت إلى أكثر من 700 ألف، الكثير من مفرداتها كنوزٌ علمية وفكرية لم تكتشف بعد، أما البقية فكما ذكرنا.. وكذلك مخطوطات موريتانيا والأندلس والشام وإيطاليا والإسكندرية واليونان.. أعداد هائلة من الدروس والمشورة والموعظة والتسجيل.. صارت في المزادات أو في المكتبات ترمم كإرث.. فهل كل المخطوطات كمخطوطات ابن رشد والفارابي وابن سيناء وابن بطوطة وابن الهيثم وإقليدس وطاليس وفيثاغورث؟... هؤلاء متوجون في المتاحف لأنهم أثروا في العالم وغيروا، ليتم بيع فقط المنسوخ من مخطوطاتهم، لا الأصلية منها.

والحال مستمرة، نشاهد الآن ملايين الكتب نتحقق القليل الثمين منه.. بالطبع هذا لا يمنع من الكتابة، فالكاتب حر فيما يطرح.. لكن ما الذي يطرحه أو يعرضه أو يمنحه لنا؟

لقد تم تصنيف ما مضى وتمييز المنتج ليتنحى الكثيرون، ومن بقي منهم فهم من أفنوا عمرًا لكتابة مخطوطة واحدة، هذه الواحدة التي غيرت مصائر الناس وعيشهم نحو الأفضل والأكرم.

لا تستعجلوا أيها الأدباء والكُتاب وكل من يكتب.. فيما تخطون، فالزمن كفيلٌ بفرزكم جميعًا، للإزالة والمحو، إن لم يكن الآن فغدًا، لتصبحوا مجرد عدد، فما البقاء إلا للقيّمة.