شوقي والبارودي

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم يكد يستقر المقام بالبارودي في منزله حتى وجه اهتمامه إلى تربية أولاده. فكان يجمعهم في سنواته الأخيرة، فيجعل لهم مكاناً خاصاً من البيت، لتلقي العلوم واللغات بأنواعها، على يد أساتذة يحضرون في مواعيد محددة كأنهم في مدرسة نظامية. فيتتبع سيرهم كل يوم ثم يمتحنهم كل أسبوع مرة، ثم يمتحنهم آخر كل شهر ويوزع عليهم المكافآت.

هذا علاوة على اهتمامه بإصلاح حالته المادية. ولم يعتمد على عودة ممتلكاته إليه. ويعتبرها آخر المنى. لكنه كان مهتماً بالسعي بدأب لزيادة دخله.

بعد عودته من المنفى نصح الأطباء البارودي بسكنى حلوان فأقام بجوار أحمد شوقي كما ذكر شوقي في رسالة بعث بها إلى الدكتور محمد صبري. الملقب بالسوربوني. لكن البارودي لم يعش طويلاً في حلوان. عاد بعد ذلك إلى داره بباب الخلق في صيف عام 1901. شهد بعض أصدقائه ممن لازموه في سنواته الأخيرة، بأنه قلما كان يوجد رجل أرق منه قلباً على ذويه. وأحفظ عهداً لمحبيه. وعزوا ازدياد علته وتسارع انهيار بنيانه إلى إصابته النفسية والروحية بوفاة كريمتيه.

فتح البارودي بابه للأدباء بينما أغلقه في وجه الساسة والحكام، فكان منزله بعد عودته من المنفى – مثلما كان قبله – قبلة الأدباء، يفدون إليه من كل مكان فيعرضون عليه نتاج كتاباتهم، وخيالاتهم.

كان شوقي يساعد حافظ إبراهيم مادياً في بعض الأحيان. كان حافظ إبراهيم قد جمع في حياته بعض شعره معتمداً على ما نشر في الصحف والمجلات وعلى القصائد التي كانت عند الأصدقاء. وقد نشره في ثلاثة أجزاء. وما نشره في كتب يصل إلى سنة 1911. أما ما نشر بعد ذلك فكان بعد وفاة حافظ.

وبعيداً عن مشاعر ابنة البارودي تجاه والدها. وهي مشاعر طبيعية. أجمل كتاب التاريخ الأدبي أن شوقي لم يرث البارودي عند وفاته. لأن شوقي كان شاعر القصر وقتها. وكان البارودي من المتهمين في وقت ما بمعاداة القصر. وقد يرجع ذلك أيضاً إلى منافسة شوقي لجميع شعراء عصره. ورغبته بالاستئثار بالفضل دونهم. وقد صرح شكيب أرسلان في كتابه: شوقي. أو صداقة أربعين عاماً. بأن اعترافه للبارودي بأمارة الشعر في حياته أثار سخط شوقي وغضبه. وكان من أسباب إعراضه عنه حيناً.

أما شوقي فقد حرص على إخفاء شعوره عن البارودي. فأظهر له الود طوال حياته. وكان من مظاهر الود القصيدة التي قالها في تعزيته عندما توفيت كريمته. وفيها يشيد بشجاعة البارودي وقدرته على مجابهة أحداث الدهر ومصائبه، أما القصيدة التي قال مطلعها فقط في رثاء البارودي ولم ينشرها في أي ديوان من دواوينه. فهذا المطلع يقول:

هذا ثرى مصر فنم بسلام/ كم روعتك حوادث الأيام.

وكان مصطفى صادق الرافعي يجتمع بالبارودي، يسأله عن رأيه في الشعراء، ومن يفضل منهم.

كانت أيام. وكانت أحداث. وكانوا كباراً. أهرب لما كتبوه وتركوه لنا من حكايات أقزام زماننا. فالحكايات أكثر من الهم على حبة القلب..

طباعة Email