ميكيموتو والخليج

الياباني كوكيتشي ميكيموتو، صاحب فكرة زراعة اللؤلؤ الصناعي، بَرّرَ انهيار تجارة اللؤلؤ الطبيعي في الخليج العربي، وبقية مناطق العالم المنتجة له، بقوله: «أردت حماية اللؤلؤ الطبيعي من الانقراض بسبب الصيد المستمر، وحلمي أن أزين أعناق جميع نساء الأرض باللؤلؤ».

يبدو لي هنا أنه كان يبرر إنتاجه الواسع للؤلؤ المزروع، والذي صنع إمبراطوريته الاقتصادية بعد فقر، بينما تبريره محافظته على اللؤلؤ الطبيعي من عدم صيده فلا معنى له، وكأنه يوصي بعدم صيد الأسماك وثمار البحر، كي لا نضر بالبيئة، بينما الخليج وحده بمثابة بوفيه مفتوح للعالم، وبشكل دائم للمحار، فكلما تغذى المحار بشكل صحي في مياه غنية بالمعادن انعكس ذلك مباشرة على لمعان اللؤلؤة وعمق توهجها، لتقاوم التلف عبر مرور الزمن، لكن مع انتشار اللؤلؤ المزيف، الذي أنتجه ميكيموتو، وبكميات كبيرة، وتكلفة منخفضة، تعرض اقتصاد الخليج التقليدي لصدمة قاسية، فقد كان الغوص على اللؤلؤ حتى أواخر الثلاثينيات مصدر دخل رئيسي لنحو 80 % من سكان الخليج، من بحارة وغواصين ونواخذة وتجار، وحين هبطت أسعار اللؤلؤ الطبيعي بنحو 90 %، تحول الازدهار الذي استمر آلاف السنين، إلى أزمة اقتصادية خانقة وديون متراكمة أثقلت كاهل الأسر الخليجية.

في المقابل، حققت صناعة اللؤلؤ المزروع أرباحاً متصاعدة، بفضل سرعة الإنتاج وانخفاض التكلفة، وعليه تبقى عبارة ميكيموتو الشهيرة عن تزيين أعناق نساء الأرض أقرب إلى شعار تسويقي عاطفي، أنجح من كونها رسالة بيئية، خصوصاً أن صناعة اللآلئ في اليابان حتى اليوم يبحثون لها عن وسائل إضافية، لتحسين لمعانها ومظهرها الخارجي، بينما الأسواق العالمية تؤكد أن اللؤلؤة الخليجية لا تزال هي الأثمن والأجمل بين اللآلئ الطبيعية في العالم، متفوقة في اللمعان والألوان والندرة والقيمة على كثير من اللآلئ الطبيعية الأخرى في تاهيتي وشمال أستراليا واليابان وبولينيزيا الفرنسية، ويعود ذلك إلى طبيعة الخليج الفريدة، بمياهه الضحلة المالحة، واختراق أشعة الشمس لها، إضافة إلى تأثير المياه العذبة، التي تصب في الخليج من نهري دجلة والفرات. هذا المزيج الاستثنائي أوجد بيئة مثالية للمحار، محفزاً إفراز مادة عرق اللؤلؤ، التي تمنح اللؤلؤة استدارتها، وملمسها الحريري، وتوهجها المعروف.

وأخيراً شكّل انهيار اقتصاد اللؤلؤ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ضغطاً معيشياً هائلاً على الخليج، بسبب ميكيموتو، ودفعت المنطقة إلى البحث عن بدائل اقتصادية عاجلة، فكانت اتفاقيات الامتياز النفطية بداية التحول الكبير، ومن رحم تلك الأزمة وُلد عصر النفط والطاقة، الذي نقل الخليج من اقتصاد اللؤلؤ إلى واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، ليبقى سر معبر الخليج، في شمسه، ونفطه، وتمره، ولؤلؤه.