بريد دبي ومكتب أرشيف الهند

تأسس أول مكتب بريد في دبي يوم 19 أغسطس 1909م، بالقرب من السوق القديم، وعلى ضفاف الخور، وعُرف آنذاك بـ«البريد العائم» حيث كانت الرسائل تُنقل عبر السفن البخارية المتجهة إلى بومباي والبصرة، وتوضع في كيس قماشي.

ويعيد تسليمها عند العودة، لكنها أصبحت بعد عقود قليلة جزءاً من منظومة رقابية معقدة، فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945)، حيث ظهرت لي تفاصيل مذهلة في أرشيف مكتب الهند، وملفات الرقابة البريدية عن الخليج، تحت الرمز الأرشيفي الشهير (IOR/R/15)، عن كيف تحولت الرسائل البريدية إلى مادة للفحص والمراجعة.

لتكشف الوثائق آلية عمل الرقيب البريطاني، الذي استعان بمترجمين يتقنون العربية والفارسية والأوردية لقراءة الوارد والصادر، فإذا اعتُبرت الرسالة آمنة أُعيد إغلاقها بشريط لاصق بني، ويُطبع عليها رقم الرقيب السري، وتُختم بالختم الأحمر الشهير (Passed by Censor)، أي مجازة، أما الرسائل المشكوك فيها فتتعرض للتعتيم بشطب بعض فقراتها، وتكتب فوقها بالإنجليزية (Censorship Blackout).

كانت بريطانيا تخشى انتقال معلومات أو أموال إلى دول المحور (ألمانيا وإيطاليا) عبر الموانئ الحرة، والأسواق المفتوحة في الخليج، فكانت الرسائل تخضع للرقابة، وتنتهك خصوصيتها، ومن المؤكد أن أغلبها لم تحمل رموزاً سياسية أو عسكرية.

فكثير منها تحمل أخباراً عائلية عن ولادة طفل أو وفاة قريب أو أحوال الأقارب المغتربين الخليجيين في الهند، أو العكس، إلا أن كل رسالة شخصية تحولت إلى وثيقة قابلة للفحص الورقي كيميائياً، لرؤية الحبر السري إن وُجد، يصل بالرقيب شطب جمل كاملة بالحبر الأسود الثخين، قبل إرسالها، حتى لا تصبح وثيقة خاضعة للمساءلة، غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الوثائق ليس الرقابة ذاتها، بل اصطدامها بثقافة المراسلات العربية والرسمية المتبادلة التي كانت تعكس تقاليد الكتابة السائدة آنذاك.

وهي جزء من الثقافة العربية، إلا أن الرقيب كان ينظر بتعب إلى تلك العبارات الودية، والإشارات الشعرية، والديباجة المطولة من الاحترام والدعاء والثناء البليغ مثل:

«إلى جناب الأجل الأكرم الأفخم... والمحترم دام...»، وسواء كان الموضوع عن أخبار أسعار اللؤلؤ وتوافر الأرز وأحوال التجارة والسوق، أو حتى حدود أو شأن عام، فإنها تنتهي بالبروتوكول اللغوي، وصياغات تعكس ثقافة الاحترام، كل ذلك كان يصيبه بالارتباك، خصوصاً إذا حملت معلومات بلهجة محلية، ليظن أنها معلومات عن حركة السفن في الخليج، أو شفرات سرية.