برقية قادت إلى أم النار

وصلت «سوزان هيليارد» إلى أبوظبي عام 1954م، وعاشت فيها برفقة زوجها «تيم هيليارد»، الذي كان يعمل مهندساً في شركة نفط، وعلى مدار أربع سنوات، قامت سوزان بتدوين يومياتها مع التقاط الصور لحياة البداوة الفطرية والظروف القاسية.. وتسجلها في ما بعد في كتاب بعنوان «قبل النفط» صدر عام 2002م، ووجود سوزان برأيي كان يختلف عن بقية النساء من العائلات الأجنبية التي سكنت أبوظبي في الخمسينيات، يكفي رصدها جميع تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، في زمن انعدام بعض الحاجيات الأساسية، ومدى تفاعل طاقم العمل النفطي، بالإضافة إلى صور مقربة لشخصيات بارزة في أبوظبي، وعلاقتهم مع المواطنين.

ما لفتني في الكتاب أيضاً، الشخصية المرتبطة باكتشاف آثار أبوظبي، وأم النار تحديداً في تلك الفترة، وهو زوجها المهندس «تيم هيليارد»، صديق المهندس والآثاري المعروف «توماس جيوفري بيبي»، الذي أعده من رواد علم الآثار في الخليج، وكان حينها ينقب في البحرين. قام تيم زوج سوزان ببعث برقية له، يخبره باكتشاف اثنتي عشرة أكَمَة في جزيرة قبالة أبوظبي، والأكمة التل الصغير، أو مرتفع مثل رابية، أو كومة حجارة، عادة توحي بأنقاض أسفلها مبانٍ قديمة.. وأن حاكم أبوظبي الشيخ شخبوط بن سلطان، يرغب بمجيء جيوفري لإلقاء نظرة على هذه الأطلال.

ولا بد من التنويه بأن «توماس جيوفري بيبي» حينها اشتهر بربطه حضارة دلمون القديمة بالبحرين.. وكانت البرقية تطلب منه الحضور برفقة البعثة الدنماركية، وتؤكد له أن تلك التلال من طراز مدافن البحرين.. كانت برقية مختصرة، كُتبت في فبراير 1958م، لكنها غيرت تاريخ المنطقة، باكتشاف حضارة أم النار في السنة التي تليها. الطريف أن اسم «تيم هيليارد» لا يلمع مثل «توماس جيوفري بيبي»، لكن أثره كبير جداً. أحياناً التاريخ يتذكر المكتشف، وينسى صاحب الإشارة الأولى.

يبقى كتاب (قبل النفط) لسوزان هيليارد، جميلاً ومهماً، لأنه ليس تقريراً جافاً، بل مزيج من اليوميات والاكتشافات، والرحلات الفكرية، ضمن حكايات البحث، وكأنها رواية أثرية، خاصة بعد قيام رئيس البعثة الدانماركية، الآثاري الأبرز «بيتر غلوب»، باستقبال سوزان وزوجها، لأخذهما في رحلة استكشافية ميدانية إلى تلك الجزيرة، التي عرفت لاحقاً بحضارة أم النار، ويتبين لهما أن تلك التلال هي مدافن أثرية تمتد إلى 2000 ق.م.

أعتَبِرُ كتاب سوزان من الجواهر الوثائقية، لأنه يمثل السجل اليومي، والمكتوب الوحيد تقريباً لتلك الفترة، وبلسان امرأة غربية، عاشت داخل مجتمع النساء في أبوظبي، وتحدثت اللغة العربية بطلاقة.