سينويه يروي زايد في «الصقر»

من يقرأ رواية «الصقر»، (Le Faucon) للروائي الفرنسي جيلبرت سينويه، الصادرة عن دار غاليمار الفرنسية، يلاحظ كيف أثارت اهتماماً خاصاً لدى المجتمع الفرنسي، وهو يتناول سيرة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كشخصية من الداخل الإنساني الوجداني، لا من زاوية البروتوكول السياسي أو السرد الرسمي، ضمن أسلوب سينويه المعروف بمزجه الوثيقة بالتخييل، والسرد السياسي بالتأمل الحضاري، في مشروعه الأدبي الذي انشغل طويلاً بتاريخ المنطقة العربية والمتوسطية تحديداً، فهو الفرنسي ابن القاهرة قبل ثورتها، والمشبع بثقافة المتوسط والشرق والعرب والبحر المتوسط، لذلك لم يكتب الخليج وأبوظبي هنا بعين المستشرق البارد، بل بعين كاتب يعرف معنى التحولات العربية والذاكرة الشرقية، وهذا واضح جداً في طريقته الوصفية، وفي بناء الشخصيات والمكان.

وما لاحظته بعد قراءة «الصقر» المترجمة إلى اللغة العربية، استخدامه لغة وصفية شاعرية، تكشف اعتماده الواضح على الأرشيف والبحث الكثيف قبل الكتابة، ويبدو هذا جلياً، فهو المؤرخ الروائي، خصوصاً أن صورته في فرنسا، وحتى خارجها، ارتبطت بكونه كاتب الشرق داخل الرواية الفرنسية، أي الكاتب الذي يعيد تقديم التاريخ العربي والإسلامي والمتوسطي للقارئ الفرنسي بلغة سلسة وقابلة للقراءة العامة، لذلك جاءت رواية «الصقر» امتداداً طبيعياً لمسيرته، لا قفزة مفاجئة داخل مشروعه الروائي.

تبدأ الرواية مع الشيخ زايد في الثمانين من العمر، يتأمل العالم من فوق الكثبان، ويستعيد بداياته الأولى وهو طفل، وهنا يبدأ السرد، بالتحليق كالصقر، فالصقر بطبيعته كائن يرى من الأعلى، يراقب الأرض من مسافة، ويملك قدرة على التقاط التحولات الواسعة.

وهذه تشبه تماماً موقع السارد الشيخ زايد في الرواية، وهو ينظر إلى طفولته وإلى الإمارات الأولى من علوّ الزمن نفسه، وهي من أذكى الحيل السردية في الرواية، إذ يدخل القارئ عبرها إلى البدايات الأولى منذ انهيار تجارة اللؤلؤ الطبيعي في الخليج، والبحث عن حل لهذا المأزق الذي أودى بأرزاق الناس، وبوصفه سارداً عليماً، يدخل في تفاصيل الحصن والصحراء والآبار وندرة الماء وثقافة الصقر... إلى جانب شخصيات مهمّة قلّما تُستعاد في السرد المعاصر، تدخل الرواية بوصفها ذاكرة حيّة، وبعيداً عن تقرير تاريخي جاف.

استقبلت الرواية في فرنسا، بوصفها محاولة لفهم نشأة دولة حديثة في الخليج العربي من الداخل الإنساني والثقافي، بعيداً عن الصورة الاستشراقية، وتوقفت قراءات فرنسية كثيرة عند فكرة تحوّل الصحراء إلى دولة، وهي الفكرة التي بنى عليها سينويه افتتاحية الرواية وتأملاتها الأخيرة، كما ركز نقاد فرنسيون على قدرة سينويه في تقديم الشيخ الراحل شخصية روائية هادئة، متأملة، ومرتبطة بالماء، همّه وهاجسه الأول، ثم بفكرة الاتحاد، بوصفها خلاصاً اجتماعياً، دون اختزالها بالطفرة النفطية، ولا السلطة المجردة.. لذا رواية «الصقر» تستحق أن تُقرأ.