رواية ظاعن شاهين

الأديب والإعلامي ظاعن شاهين، صدرت له رواية بعنوان «دم واحد»، أنهيتها قبل أيام، وهي رواية عاطفية وطنية، تتحرك سنواتها عبر ثلاثة أجيال، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى الألفية الجديدة، بين مدينتي دبي والمحرق، حول المصائر وكيف تتشابه في الساحل العربي الممتد، كما يسميه الكاتب، وهو ما يلتقي مع ما قرأته في الأرشيف البريطاني، حيث كان يشار إلى هذا الامتداد من خصب إلى الكويت بوصفه الساحل العربي الكبير.

في سرد أنيق وشائق تتقاطع الظروف الاجتماعية، وتتشابه الهموم المرتبطة بالوجود البريطاني، ويبرز قلق العمال في شركات البترول في البحرين، من آسيويين وعرب، على أرزاقهم، في زمن أعقب صدمة تدهور تجارة اللؤلؤ في الخليج العربي، وانتهاء الفترة الذهبية، التي امتدت قروناً، تعرضت لضربة قاسية مع ظهور اللؤلؤ المستزرع، وتداعيات الكساد الاقتصادي العالمي.

ينطلق ظاعن شاهين منذ الصفحات الأولى مع الشخصية المركزية، الشاب يوسف، وهو محاط بأسماء من نواخذة وبحارة وتجار دبي، يعيشون قلق التحول بعد أزمة اللؤلؤ، متنقلين بين المجالس بحثاً عن مخرج، في مقابل برود المعتمد البريطاني في دبي تجاه أوضاعهم. ومع اتساع أفق الرواية يختار يوسف الرحيل، تاركاً والديه وإخوته الصغار وحبيبته سلامة، متجهاً نحو أعمال أخرى غير الغوص.

تفتح البحرين ذراعيها، فيعمل يوسف عاملاً مع عمال آسيويين في شركة بترولية، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته في المحرق، حيث يصعد عبر الجهد والأمانة، وتتشكل حوله شخصيات وطنية، تنخرط في مقاومة سرية للوجود البريطاني، لينضم إليهم تدريجياً، كما تستمر الرسائل بين دبي والمحرق، حاملة أخبار العائلات، إلى أن يتلقى يوسف خبر زواج حبيبته سلامة، فيمر بتجربة عاطفية قاسية في غربته.

ومع تبدل الزمن يعرض عليه صديقه البحريني الزواج من قريبته لولوة، فيؤسس أسرته هناك، قبل أن تعيده وفاة والده إلى دبي، المدينة التي بدأت تتسع لأبنائها العائدين، ليستقر بعد العودة من البحرين في منطقة الراشدية.

ما لاحظته هنا كيف تداخل التاريخي بالمتخيل على نحو يثير الانتباه، فالأسماء التي يوردها السرد، من نواخذة وتجار، تمر بوصفها جزءاً من نسيج واقعي دقيق، دون أن يمنحها النص المسافة الكافية لتُقرأ بوصفها شخصيات روائية مكتملة، وهو ما يضع القارئ بين متعة التوثيق ورغبة أعمق في التشكيل الفني، مثل فاضل بن عتيق، وسالم بن مصبح، وناصر بن درويش وسعيد العوي.

وكذلك الشعراء المذكورون، فهم معروفون وحقيقيون في واقعنا، خصوصاً حين وصل بسرده عن الراشدية بدبي، وذِكرهِ ساكني المكان، واختلاط يوسف بهم في مجالس الشعر، أمثال حمد بن سوقات وسالم الجمري، ومحمد بن سوقات، وثاني بن عبود، ليكتب ظاعن عنهم بلغته الشعرية: «كانوا أشبه بظلال تتحرك في الأفق، تثري الأمسيات بحضورها الآسر، وزخات مطر على رمال الراشدية، تروي عطش النفوس عن معنى أعميق للحياة المتسارعة من حولهم».

تبقى الرواية مشوقة، وتميل أحياناً إلى نبرة شعرية عالية، تمنح السرد حساسيته، وتفتح له أفقاً وجدانياً، بينما تُبطئ في بعض المقاطع حركة الحكاية لصالح الحدث، وتتسع الرواية لاحقاً لأحفاد يوسف، وتذهب إلى محطات غير متوقعة، محمولة بطاقة وطنية وعاطفية واضحة، تحافظ على خيطها الإنساني حتى نهايتها.