سيرة الأنا في دفاتر الروائيين

في حياة الروائي لحظات خفية، لا تستقر في رواياته بقدر ما تلوذ بمذكراته في دفاتر صغيرة جانبية، أو يوميات عابرة، كنصوص شخصية.. حتى يقوم بنشرها، لتغدو مفتاحاً سرياً لأعماله الروائية، لأنه كتب سيرته لذاته أولاً، سيرة تتشكل فيها الأنا، من سجل أخطائه، وقياس أفعاله، لتبدو أشد أثراً.

نقرأ مثلاً مذكرات أهم الروائيين المعاصرين «أورهان باموق»، بعنوان: «إسطنبول الذكريات والمدينة»، التي أصدرها بعد حصوله على نوبل، نجد مدى ارتباط سيرته بمدينته، وكأنه كان يعمل باحثاً فيها، بحثاً لا يشبه الباحثين الأكاديميين، لأنه يراقب ويشعر ويفكر، ويعيد صياغة الجملة قبل أن تستقر.. فكانت عائلته وأصدقاؤه في سيرته لا يسيرون في خط مستقيم، بل يتدفقون بمشاعرهم كتيار داخلي لا يُمسك، بعد أن حلل مدينته وعاداتها وما ورثه من شفهيات، وعلاقته الممتدة بكل ما شكّل رؤيته ووعيه، من مرويات الحيّ والوجوه على الأرصفة، والنمو السكاني، والحركة التجارية، والحروب، وتاريخ تشكّل الطبقة المتوسطة، وصعود الطبقات المؤثرة، كما راقب كيف اختفت البيوت وبنيت أخرى، وكيف تغير فن المعمار الأصلي، والمستورد... مستخدماً المصادر والوثائق، لكنه كتب كالأنا الذاتية، وربطها بمدينته وجدانياً، لنكتشف مدينته الممكنة أنها شكله هو، وبرؤيته هو.

.. ومع اختلافه عن أيقونة الأدب الحداثي والنسوي الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف، والتي أعد يومياتها ككاتبة هي ليست مسيرتها الأدبية فحسب، بل تفكيرها الإبداعي، وهي تروي ذاتها بوعي وتردد وشك في آن، وبدقة وتميز، وكأنها تصف ما نعيش اليوم، حتى وإن حذف زوجها بعد رحيلها بعض الجُمل التي تتخذ من الأنا عنده شكلاً آخر.

.. إلى مذكرات أسد الأدب الروسي، «ليو تولستوي»، نجده أكثر من قسى على الأنا في سيرته الذاتية، وهو يسرد معنى الحياة خلال أفكاره الروحية، حتى انعكست قسوة الذات لاحقاً في أعماله الروائية، والتي حوّلها إلى أسئلة كبرى، عن الخير والشر، والصواب والخطأ، وعن الضمير والحنين والالتباس.

تبقى الأنا الحقيقية في مذكرات الروائيين هي ميدان الصراع، لا مادة للبوح كما يُظن.. الأنا لديهم تبحث عن حقيقة تتشكل ولا تُمسك، وهو يحكم ويقاضي نفسه متوارياً، يوزع الأصوات داخل الأحداث. مذكرات الروائيين لحظات نادرة، تختلف في جوهرها عمّا يُكتب في السيّر الأخرى، لمشاهير المجتمع.. إذ يتحوّل لديهم القلق والشك إلى فكرة، والذاكرة إلى حكاية حيّة، ثم يغدو العيش نفسه مادة للأدب.. فالحياة هنا ليست حياتهم كروائيين، بل كيف أصبحت حياتهم أدباً؟