ليس من السهل أن نكتب عن كتاب كُتب منذ قرن، وما زال يعامل كما لو أنه كُتب هذا الصباح، فبعض الكتب تنتمي إلى زمنها، ثم تهدأ وتنام، وبعضها ينجو من الزمن، لأن المؤلف جعل الشك الديكارتي، أو الشك الغزالي بمعنى أصح يدخل إلى فكر القارئ، وهذا ما حدث مع كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، الذي طبع في القاهرة عام 1926م، ولم يكن الكتاب مجرد بحث أدبي، بل كان دعوة لإعادة فحص كل التراث العربي، من خلال منهج الشك، الذي تعلمه في باريس. وبناء على المنهج الحديث قام بالتشكيك في الشعر الجاهلي، معتبراً أنه كُتِبَ بعد تلك الفترة بقرون، لأسباب سياسية وأخرى.
كانت صدمة لثقافة القارئ وتراثه، التي تلقاها طويلاً، فلم يعد الشعر العربي القديم أمامه يُقرأ بوصفه أثراً محفوظاً، بل بوصفه نصاً قابلاً للريبة، للخلخلة، وربما لإعادة الكتابة، لكن اليوم، أي بعد مئة عام على الكتاب، هل نجح في ذلك فعلاً؟
طه حسين لم يهدم الشعر الجاهلي والمعلقات كما يُشاع، بل هدم الثقة السهلة به، وهذه نقطة دقيقة، فهناك فرق بين الهدم والشك، وبالتالي فتح باباً لا يُغلق، وكأنه يقول: «مهما بدا النص قديماً ومطمئناً يحمل في داخله احتمالات متعددة، وإن ما وصلنا ليس بالضرورة ما كان.. ليبقى السؤال الحقيقي، الذي تركه هذا الكتاب خلفه، من الذي يملك حق القول في ذلك؟ وهنا تحديداً بدأ القلق».
أما الجدل الذي رافق الكتاب فلم يكن دفاعاً عن الشعر بقدر ما كان دفاعاً عن الطريقة التي نقترب بها من الماضي، فحين يُسحب النص من منطقة اليقين، لا يتزعزع الأدب فقط، بل تتزعزع شبكة كاملة من المعاني: اللغة، التاريخ، وحتى الذاكرة الجمعية، ولهذا بدا الكتاب، في لحظته، وكأنه يمس ما لا يُمس، وفتح الطريق إليه، ولهذا السبب تحديداً، لم ينتهِ الجدل، لأن الكتاب لم يقدم إجابة، بل زرع أداة، أداة الشك، والأداة مُنحت للقارئ، ولا يمكن الآن استعادتها منه بسهولة، لأنها غيرت طريقة النظر، لا موضوع النظر فقط.
اليوم، نحن نقرأ الكتاب من مسافة زمنية مريحة، يبدو أقل صخباً مما كان، لكن هدوءه خادع، فالسؤال الذي طرحه لا يزال قائماً:
هل نقرأ ما نرثه لنؤكده، أم لنفهمه؟ وكلما توترت علاقتنا بالماضي، هل الفهم ممكن من دون مسافة، من دون شك، من دون استعداد لخسارة ما ظنناه ثابتاً؟
وبرأيي، الكتاب لا يقدم موقفاً، بل يضعنا في موقف، أي لا يقول ماذا نفعل بالنص، بل يسألنا، ماذا نفعل بأنفسنا حين نقرأه؟ وهذا، في جوهره، سبب بقائه، لأنه علم القارئ كيف يُقلق نفسه.