جاء الروائي الفرنسي غوستاف فلوبير إلى مصر شاباً في السابعة والعشرين، أي لم يكن قد كتب بعد روايته الواقعية «مدام بوفاري».. جاء إلى مصر بجسدٍ أوروبي اعتاد البرد، وفي حقيبته أحلام مشبعة بصور الشرق المتخيل، كأنه يتوق إلى دهشة ومكانٍ يخلّصه من أوروبا المنظمة إلى شرقٍ رحيب، لكنه اصطدم بمناخٍ لا يرحم، وبمسافات شاسعة، وبأزقةٍ لا تُهادن العابر.. والجسد حين يتعب، يرى العالم من زاوية واحدة فقط.
من يقرأ سيرته، ورسائله عن مصر، يلاحظ كيف يبدو فلوبير غاضباً ومتذمراً، فحين زارها في منتصف القرن التاسع عشر، كتب عن الحرّ كما لو كان عقاباً، وعن الطرق والمكان، كأنها رحلة غير متوقعة، بعد أن سافر إليها هارباً من اختناق البرجوازية وباحثاً عن المختلف، وإلا كيف خرجت يومياته عن مصر كرسائل خاصة، ولغتها كما يصفها إدوارد سعيد: لغة حادة ومتعالية وساخرة ومتقلبة، أقرب إلى الشكوى منها إلى التأمل، فلم يكن يكتب بنية النشر، ولا للتاريخ، بل كوثيقة ذاتية.
بالطبع نصوصه لا توحي بأنه رحّالة بالمعنى الكلاسيكي، ولا مؤرخ يسعى للفهم، ولهذا لم يكتب عن الناس، ولا عن تعب حياتهم اليومية، ولا حتى عن التحولات الكبرى، بل كتب عن الحرارة والمكان، بينما مصر، في تلك الأيام، أكبر من أن تُحتوى في مزاج شاب لم يجد فيها الشرق الأسطوري الذي قرأ عنها، وحين لم يكتمل حلمه، زاده التباس الواقع غضباً.
ولكن لاحقاً، وخاصة عند الرجوع إلى الدراسات الفلوبيرية النقدية يستدل أنه خفف حدة بعض الأوصاف في نصوص يومياته عن رحلة مصر، وهدّأ من تصاريحه حول بعض التعميمات، ليعيد ترتيب اللغة، كي تبدو أقل انفعالية.. كأنه أدرك أن الرحلة، في جوهرها، ليست عن المكان بقدر ما هي عن العابر فيه، وهذا بالطبع بعد أن نضج فلوبير، واشتد وعيه بالأسلوب.
حَلّل معظم النقاد رحلته فيما بعد، واتفقوا على أنه كتب من موقع ذاتٍ متعبة، لا من رغبة في الإصغاء، لهذا، لا تُقرأ رحلة فلوبير بوصفها شهادة عن مصر ولا عن المصريين كذوات، بل مرآة لقلق كاتب شاب، دخل الشرق بقلب مثقل، فخرج بنصٍ يكشفه أكثر مما يكشف المكان.
ولكن برأيي هنا، ثمة قيمة أخرى لرحلة فلوبير، تكمن في رؤيتنا للإنسان المتعب.. كيف يكتب العالم حين يخذله جسده، وتربكه أحلامه.