هناك أساطير كثيرة حان الوقت للتخلص منها. مثلاً «أسطورة التضامن الإنساني». أيضا: أسطورة الانفتاح الإعلامي الذي غيّر طبيعة العلائق البشرية. قيل لنا أنه، في «القرية الكونية»، الجميع متضامن. وابن القرية الصينية يعرف عن ابن القرية السورية. وإنسانية النيويوركي قد تتضامن مع إنسانية الحمصي. هذا وهم.
فالمعرفة المتوفرة بسطوع، مع انفلاش الأدوات التكنولوجية، ليس بالضرورة أنها أخرجت الإنسان من أنانيته وفرديته وعدم اكتراثه تجاه «أخيه» الإنسان. فقط، الغابة كشفت عن دهاليزها، لكنها لم تتوقف عن كونها غابة. والأميركي لن يتظاهر من أجل الدماء المهدورة في «حماة» وقد يفضل التجمهر من أجل بطاقة العناية الصحية، على أن يحمل لافتة أمام البيت الأبيض، تطالب حكومته بحماية دولية لأرواح السوريين. الفرنسي، بدوره، يهتم بأن يكون له قادة لهم كلمتهم في السياسة الخارجية، فهذا يعطيه زهوا، لطالما احتاجه للتوكيد على دور غابر لفرنسا في ترتيب شؤون الكون.
لكنه لا يبدو مكترثا لأكثر من ذلك. البريطاني، بطبعه متريّث، وحذر، وحسّه الاستعماري العريق، يوجهه تلقائيا إلى حسابات المصالح لا الحسابات العاطفية. الألماني، غارقا في عقدة ذنبه الأبدية، لن يتابع أخبار حي «سلوان» الفلسطيني، وهو، غارقا في فخ إعلامه، يفكر بأمرين: إسرائيل، وما سيفرزه الربيع العربي من موجات هجرة إلى ميونيخ وبرلين. قد يتابع أيضا بشغف قصة مواطنه الذي يقاضي جاره لأنه أطلق عيارا ناريا على ضفدعه المزعج، ويتعاطف مع الضفدع. واهم أيضا من يظن أن «الجزيرة الإنجليزية» ستغيّر العالم. لا نعرف تحديداً أرقاماً عن عدد مشاهديها في الغرب، رغم الدعاية المجانية التي قدمتها هيلاري كلينتون للقناة قبل شهور.
الآن: صورة الحمير النافقة في منطقة نائية في سوريا برصاص رجال أمن غريبي الأطوار، قد تشيع في «الغابة» ويتردد لها صدى أكثر مما فعلته صور الأطفال والنساء والشيوخ القتلى. ربما لأن دماء الحمير ليست عربية. ربما لأن مواطن الغرب اعتاد على كون دمائنا رخيصة، لكنه لا يزال يحتج إن أريقت قطرة واحدة من دماء الإسرائيلي «النقية». أقول ربما، ولو أنني لم المح تصريحاً بعد ضد نفوق الحمير.. حتى من طرف «بريجيت باردو»!