ملفات الثورة تكشف عن الكثير. لم يتواطأ حكام عرب، مع من يرتهنون له في الخارج على تضخيم صورة العربي المسلم المتطرف، بل والإرهابي، لتحقيق مكاسب سياسية، فحسب، ولكنهم عملوا أيضاً على «تجهيل» شعوبهم بما يختص بمعرفة العربي لأخيه العربي، حق المعرفة.

وسنكتشف بمرور الأيام أن الأنظمة المخلوعة، ومن منها في طور الخلع بعد أن نخره سوس الخطايا، عملت على تزكية الأفكار المسبقة و«الكليشيه» بين شعوبها والشعوب العربية الأخرى، رغبة منها في ضرب الشعور القومي، وتدجين أواصر الارتباط الوثيقة، لغة وديناً وتاريخاً وهمّاً مشتركاً، وتشذيب مظاهرها المتحمسة والنافرة، بإحلال العصبية «الوطنية» الوهمية مكانها.

هكذا، أكاد أجزم، أن كل فرد منا، حين يغوص اليوم في وعاء تشكيل صوره الذهنية والفكرية عن الآخر العربي، لن يطلع إلا بصور مسطّحة، خلقها الإعلام الموجه أو النكتة الشعبية المدسوسة أو التعتيم المتعمد. قبل أن يحرق بائع خضار عربته وجسده في تونس، لم يكن ابن الشام يعرف عن التونسي، أكثر مما كان نظام ابن علي يريد له أن يعرف. وكان الليبي، حتى شهور قليلة ماضية، مجهولاً بالنسبة إلى كل عربي، ومختزلة صورته بقائد غريب الأطوار والسلوك يهوى ارتداء الملابس الغريبة والتحرك محاطاً بـ«محاربات الأمازون».

اليمني الذي نشاهده اليوم في الصور الوافدة من ساحات الاعتصام، هو على غير تلك الصورة «الكليشيه» التي أريد لنا أن نرسمه له طوال عقود. هو ليس اليمني الخامل، المرتكن إلى جدار، بخد نفخها مسحوق القات، وعيون أطفأها الخدر وإحباط المستقبل. اليمني هو ذلك الفتيّ المنظّم، الذي يبتكر كل يوم مشهدية لتظاهره، تخاطب قلوبنا وعقولنا، وتترك أثرها في من يتلقط الصورة في العالم. بذكاء لافت، يعرف شباب ثورة اليمن، كيف يصنعون صورتهم الأيقونية في عيون العالم، مبددين صورة خاطئة ومجحفة لطالما أسرتهم.

في حمص، تلك المدينة السورية التي حبستها النكتة لعقود، حتى خيّل إلينا أن أهلها ليسوا سوى «دراويش» مساكين، تظهر الصور الواردة من ساحات الثورة جدّية فائضة. الشبان في «الوعر» يكوّنون حلقة بشرية متكاتفة، ويغنون مرثاة: «ساكابا يا دموع العين ساكابا.. على شهداء سوريا وشبابا». لا تشي صورتهم بأي نكتة!