الغطرسة لابسة ثوب الضحية هي أسوأ أنواع القوة وأدهى صنوف التزييف.
«إسرائيل» مثال صارخ لممارسة هذه اللعبة، منذ نشوء الكيان الصهيوني قبل أكثر من ستين عاما، وصولاً إلى اليوم. لكنها ليست وحدها في العالم.
في المنطقة هناك أنظمة طاغية وأحزاب طاغية وجمعيات طغاة وأفكار طغاة.. كلها تدعي أنها في مرمى «الخطر». إنها مهددة من «الآخر».
هذا «الآخر» في الغالب هو من بني جلدتها، لكنه مختلف معها سياسياً أو عقائدياً أو ربما حول قيم أخلاقية كالمحبة والعزة والسلام والجمال، أو هموم معيشية كالخبز والكهرباء ومؤنة الشتاء!
لكنها، وهي تمتلك من أدوات القوة والسلطة، ما يخوّلها عزف إيقاعات «الضحية» بصخب كامل، لا تتوانى عن جعله صخباً دموياً. هكذا، تحشد تلك القوة المتغطرسة أنصارها حولها، وتقنعهم أنهم مهددون، وأنهم إن لم يتحركوا، فإن «الآخر» قادم لكي يزعزع الأرض من تحت أقدامهم ويعرقل مسيرة أيامهم ويطفئ زهو أحلامهم. الضحية تخاطب أنصارها لكي يصدقوا إنهم جميعاً «ضحايا»!
ثمة وجه آخر لهذه العملية: الضحية، ليست لطرافة الأمر أو سوء القدر، قوية ومتسلطة فقط، بل هي، دوما، أفضل من «جلادها» المزعوم. هي من عرق أنقى أو شعب مصطفى أو من أشرف الأقوام. الضحية سامية والجلاد حقير.
هذا سيبرر لها، ليس فقط أن تقوم برد فعل تجاهه، دفاعاً عن وجودها، بل تسوّغ أي نوع أو طبيعة لرد الفعل ذلك.
سيكون من المقبول، والحال، أن تقوم الضحية بإفناء الجلاد المزعوم (قد تمنحه أسماء مثل المتآمر أو سليل العصابات أو المتمرد أو الجرذ أو الإرهابي).
ستهجم الضحية الشريفة (افتراضاً) بأنياب حمراء على رقاب الأطفال تفتك بها كذئاب جائعة، وقلوب الأوطان تدس فيها كل الحقد والسم والبارود. ولن تتوقف، بموازاة نار حقدها المستعرة، عن ارتداء تشكيلة أقنعتها كاملة: فهي مضطهدة وإن متسلطة، بريئة وإن مجرمة، مهددة وإن معتدية، صادقة وإن مزيفة!
لطالما اعتقدت أن إسرائيل هي الخلاصة الصارخة لاجتماع وجهي الضحية المتغطرسة مع العنصرية المقيتة، فإذا بي أنظر إلى أنظمة في عالمنا العربي، إلى حكام وأحزاب، فأرى إسرائيل في كل مكان!