لن يسألني الاستاذ كامل بعد اليوم إن كان "العم خيري قد أصدر رواية جديدة". ربما يحتمل السؤال مرة إضافية بعد، إذ، وعلى عادة الكتاب الذين يرحلون غفلة، قد تكتشف زوجة خيري رواية غير مكتملة، في أدراجه، فيصار إلى نشرها، ويضج الإعلام حولها، وتبادر "دار الشروق" المصرية إلى تضمينها النسخة الجديدة من الأعمال الكاملة لكاتب المقابر.. خيري شلبي!

حزن مضاف في موسم الأحزان. حين لمحت الخبر على صفحة "الفيسبوك"، سارعت للتعليق: "كتبه باقية على رفوف مكتبتي. كنت أهرب إليه كلما اشتقت إلى نقاوة مصر وصدق المصريين". كان رد فعلي عفويا، لكنه كشف، ربما، عن المكان الذي يحتله شلبي، الراحل فجأة عن سبعين كتابا، في قلبي ومخيلتي. كتب الروائي مصر كما لم يقاربها أحد: أستاذه فقط نجيب محفوظ. لكن شلبي لم يبق في جلباب الأستاذ، بل خلعه في مرات كثيرة؛ لغة وحبكة وتركيبا سرديا، ليعود إليه، كلما اشتد الشوق إلى صاحب "الثلاثية".

تعرفت على كتبه قبل سنوات، عبر نصيحة قيّمة لصديقي الشاعر محمد خير، غصت في عالم "زهرة الخشخاش"، قبل أن أستفيق من "دوختها"، وأنا في ميدان "طلعت حرب" خارجا من مكتبة "مدبولي" بكيس يحوي الكثير من رواياته:

"الكومي" و"موال البيات والنوم" و"ثلاثية الأمالي" و"وكالة عطية"، في طبعة رخيصة مدعومة من نظام مبارك آنذاك. لكن شلبي، الذي أجزم أن الرئيس ورجاله لم يقرؤوه، بل ربما كرهوه، لم يكن مروّجا إلا لحكايات مهمشي مصر. من كرههم الرئيس. سيرة سكان المقابر وعمال المصانع والبسطاء والصعاليك. لم يكن صعلوكا. اتهمه كثر من أبناء مهنته، وجلدته، بالاستعلاء، ومساكنة الأبراج العاجية، لكن كتاباته لا يمكن إلا أن تشي بكاتب يحب الصعاليك، لذا فهو.. صعلوك.

يتكرر المشهد كل موسم؛ يسألني الأستاذ كامل يوسف على "قارعة" سلم الجريدة: "هيه، ماذا تقرأ؟ هل من جديد لخيري شلبي؟". أجيبه، وأنصرف متسائلا: هل سيكتب دراسة تحليلية يوما ما عن أدبه؟ هل سيدعم ترجمته لليابانية؟ هل سينعيه يوما ما في "الصفحة الثقافية" في "البيان"، وما عساه يكتب؟

لم يدر في خلدي أن النعي سيكون على هذا القرب!