أربعة يونانيون يعودون إلى الإسكندرية، مدينتهم الأولى، ومرتع طفولتهم والشباب. في لحظة ثورية دافئة، تعيشها مصر، تسعى فيها للتصالح مجددا مع تاريخها، ومدنيتها التي أهدرها حكم طويل من القسوة والخواء، يحمل المخرج اليوناني يورغوس افيروبولس كاميرا الحنين ويسير على دروب أبناء جلدته في المدينة الساحرة التي نكتشف كل يوم وجوها جديدة لغوايتها: الإسكندرية.

المحصلة وثائقي بديع باسم  مصر الوطن الآخر  عرضته  الجزيرة  ضمن سلسلتها المؤثرة  تحت المجهر .

فيض من النوستالجيا ستملؤك حال انتهائك من مشاهدة الشريط على يويتيوب . صور قديمة، بيضاء وسوداء وصفراء، مقاطع متحركة مخربشة لأطفال يلعبون في الحدائق ومراكب المتوسط، وشبان يتأنقون لحفلات الفالز، مصطحبين أجمل النساء الأنيقات.. يتحدثون إليك في الشريط، وهم شيبة، غزت الأيام سحر وجوههم، من دون أن تلوث أرواحهم التي بقيت هائمة بحب المدينة: من عمر الطفولة لن تفلت أبدا..

مهما فلسفت الأمر لن تفلت، ستعود دوما إلى الوراء ، يقول اليوناني السبعيني ودمع يبرق في عينيه. كان قد عاد من جولته في الحي الذي سكنه، حيث تعرف على شرفة بيته من بعيد، واكتشف أنه لم يعد مطلا على حديقة وارفة بل ساحات من الاسمنت. بحث عن مصنع قطن عائلته، ولم يجده.

منذ منتصف القرن الماضي، تخلصت مصر من أجانبها . اليونان، على عكس الانجليز والفرنسيين والطليان، لم يغادروا خطفا. هم لم يؤذوا البلاد كما فعل غيرهم. على العكس، بعضهم تطوع لمحاربة المعتدين في حرب 1956، وتلك الطبيبة التي ظهرت صورتها على أغلفة المجلات مع عنوان اليونانية المصرية التي تطوعت لخدمة بلدها ، ها هي تعود بعد أكثر من نصف قرن لتبحث عن بيتها وعيادتها التي أممت في العهد الناصري.

رغم ذلك، فأبطال الشريط ليسوا حاقدين. هم يبدون تفهمهم للظروف التي تركوا فيها بلادهم مصر. لكن الحنين هو الذي، لسطوته، قسوة أقوى من أي شعور سلبي. يعودون ليشهدوا على تاريخ اليونانيين الوثيق بمصر اقتصادا وفنا وثقافة وكوزموبولاتية: اول مسرح غنت عليه سارة برنار، وأكبر صالة سينما، وأضخم محل قماش، وأول مصنع قطن، وأول سيجارة. هناك لا تزال بصماتهم التي جاءوا.. يلملمونها!