لم يتمالك مراسل «الإندبندنت» الشهير روبرت فيسك نفسه فيما يسأله مذيع «الجزيرة» أول أمس عن «اتفاق الأضداد حول تبني الديكتاتور والمطالبة ببقائه». أطلق البريطاني ضحكة مستفيضة، على طريقة أهل لبنان الذين قضى بينهم سنوات من حياته ينشر مقالات وكتب عن حروبهم الطائشة وانشغالاتهم الرعناء.

لم تكن الضحكة على الطريقة الانجليزية المقتصدة، وان جاءت الإجابة، بحس الثقة واكتمال المعرفة اللذين تحملهما، أقرب إلى الحس البريطاني. قال، وضحكته تخطف أنفاسه:« انه الشرق الأوسط يا عزيزي.. حيث تجتمع الأضداد». ثم لعله انتبه أن السياق لا يحتمل ضحكا، فاستعاد جديته، غوصا في عالم التحليلات التي لم تحد عن توقعه «أياما دامية مقبلة».

لم التق بفيسك شخصيا، لكنني، وكمعظم اللبنانيين، اقتنيت كتابه الشهير «حرب لبنان» الذي جمع فيه مجمل مراسلاته الصحفية المنشورة في اندبندنت وغيرها، حين كان يغطي الحرب الأهلية لسنوات طوال. كتاب، مثله مثل تأملات خليل جبران وتفكهات سلام الراسي، بات من الكتب الفولكلورية التي يشعر اللبناني أنه يجب أن يودعها رفوف مكتبته من دون أن يكون راغبا، بالضرورة، بقراءتها. هل ترغب شعوب الشرق الأوسط بقراءة تاريخها بعد أن يصبح متحققا ومنجزا، أم أنها تفضل دفن رأس نعامتها في تراب النسيان والتجاهل؟

غالب الظن أننا، وإضافة إلى نعم أخرى «مرزوقون» بها في هذه المنطقة، لدينا موهبة.. فقدان الذاكرة.

أفكّر في ضحكة فيسك. احترم الرجل وصحيفته، لكن ضحكته، كما أخافتني، ردتني إلى مأساة ذاكرتنا التي تضيع. بعد انتهاء «الأحداث» سينشر الصحافي اللامع كتابا جديدا، وسيترجم إلى العربية على الفور، وسيحمل غلافه كلمة «ثورة» لا «حرب» هذه المرة، وستضعه محلات «فيرجين» في رفوف الـ«توب تان»، وسأشتريه، وأودعه المكتبة، واخبر أصدقائي أنني أقتنيه.

وسأنصرف إلى هم يومي وكآبة أو فرح مسروق. ففي بلادنا، في بلاد « التناقضات»، حيث يتضح أن الممانع والعدو في خندق واحد دفاعا عن الديكتاتور، وان هذا المتبجح طوال حياته بممانعته في وجه العدو، لا يجد غيره لكي يدافع عنه.. في هذه البلاد حيث القتل أسهل من الضحك، ما معنى أن تقرأ كتاب تاريخ؟