يمزقون صور الديكتاتور ويحلمون، كما على طريقة شك الدبابيس في الدمية، إنه سيتوجع. يفتشون عن صور «البوستر» التي يبدو فيها مبتسماً وقائداً وشجاعاً، ويتقصدون تلك الابتسامة تحديداً، فيقتلونها بتمزيقهم الصورة، مفرغين عن شحنات من غضبهم القديم والمستجد. قبل زمن، قبل ما يقارب الشهور السبعة، كان تمزيق هكذا صورة يعد ضرباً من الخيال. كانت الصورة قد اكتسبت «قدسيتها» منذ أن وعوا على الدنيا.
ومن قبل الديكتاتور كان الأب، وقد ورّثت صورته في متحف الذاكرة الحية، واستمد الابن منها قوته لكي يشع في صورته الخاصة. هكذا بات «البوستر» اثنين، وهكذا وجد الشعب نفسه مضطراً لإلقاء تحية الصباح والمساء، والظهيرة والضحى، كل يوم على صورة مثبتة في كل مكان يحيا فيه. وكم يكون «السحر» أقوى في المناسبات الوطنية أو القومية. حينها، وفي مرور الرجل قرب الصورة، لم يكن إلا شعور واحد ينتابه: هنا، عند هذه الصورة، توقفت دنياه ولن يبدو في الأفق شيء آخر.
لكنها لم تتوقف. روح ثورية هدمت التمثال وشقت الصورة. هاج الدكتاتور وفرقته. اتخذوا قرارهم: يقتل كل من يمزق الصورة ويرمى إلى الهلاك من يخدش التمثال. لم يصدقوا أن الرجل قرر بالفعل التجرؤ على الصورة، لا بل على الأصل نفسه، فانهالوا عليه تعذيباً وترهيباً، وصولًا إلى قتله.
الرجل المقتول، الطفل المقتول، الشيخ المقتول، الأم المقتولة، صورهم المحمولة بين أيادي مناصريهم المحتجين على قتلهم، أو الموثقة في بيانات وملفات منظمات إنسانية توردها إلى جهات سياسية.. تتكاثر كل يوم مغطية الهالة «القدسية» للصورة الوحيدة التي كانت راسخة إلى زمن بعيد. وهي، في الغالب، تصنف على كونها صور الضحايا الذين يحيلون مباشرة إلى صورة الديكتاتور المبتسم رغم كل شيء. هكذا، وخلال أيام، تبدو قليلة، في مقارنتها مع أيام سابقة طويلة ومستديمة كما الأسى المقيم، تغير المشهد. بات يتسع لأكثر من صورة. بات الشعب أيضاً على «بوستر» وإن مقتولاً، لا بالدبابيس، بل بالرصاص والسيوف!