أطفال ببطون ينفخها الموت، كبالون، قبل أن يفقعها، فتنسحب الروح. عيون للذباب وقلوب للكوليرا. الصومال هدية العالم "المتحضر" للإنسانية. شاهدة قبر الاستعمار الذي لم يذو. تنظف وتلمع وتنقش كل فترة عبارات جديدة ومختلفة عليها، تواكب العصر وفكر أبنائه. الصومال مقبرة تمتلكها أميركا وأوروبا، لم تغلق يوما، بل تتحول بين حين وآخر، إلى "معرض" عالمي للجثث، تتفرج عليه الدنيا عبر شاشات التلفاز، متى سمح للكاميرا بأن تصوّر ما يراد فقط تصويره، وفي الوقت المناسب.

هل المجاعة الحاصلة اليوم هي المأساة الأولى في الصومال؟ بالتأكيد لا. الكاميرا لم تكن موجودة يوما لكي توثق جرائم الإنسانية التي ارتكبها أمراء الحرب المتخاصمون، الذين تمولهم فرق الـ"سي آي إيه" النشطة في مبان سرية، تشرف، "فوق البيعة"، على عمليات اعتقال وتعذيب لـ"إرهابيين" مفترضين من قبل أميركا.

ولم تكن الكاميرا أبدا متواجدة حين تنهب خيرات الصومال، وتوزع بين القوى الاستعمارية الإيطالية والفرنسية والبريطانية، التي لم تغادر الأرض أبدا، ولا بعد الاستقلال، بل وجدت دوما أساليب جديدة للقيام بالدور المستمر: القبلية السياسية، الاقتتال الداخلي، مطامع إثيوبيا التي تريد أن تبتلع الصومال وتحوله ممرا بحريا لمصالحها، ناهيك عن العداء الديني التقليدي، القضاء على الحركات الوطنية واستنزافها في حروب الوحدة المستحيلة، لإلهائها عن عملية التنمية.. كلها أدوات تستخدمها القوى الكبرى، لضمان مصالحها الاستراتيجية في بلد يدر موقعه الاستراتيجي لعاب العالم كله!

لقد شغلت الدعاية الأميركية حول "قراصنة سواحل الصومال" الدنيا خلال السنوات الماضية، واستدرجت، عبر قرارات مجلس الأمن، بواخر الحرب من الهند وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، التي سمح لها تدريجيا باستخدام سلاحها في المياه الدولية، ثم الصومالية، وصولا إلى تخويلها الملاحقة الحربية داخل الحدود البرية!

نجحت الولايات المتحدة في تجييش العالم من أجل حماية مصالحها في هذا البلد، بكذبة تشبه أفلامها، اسمها "عودة القراصنة". هكذا اختزلت مأساة التصارع التاريخي والمستمر للقوى الاستعمارية على الصومال، بصورة القرصان الشرير، ثم فقاعة الموت.. بطفل المجاعة.

مجاعة الصومال الحالية حلقة من سيناريو مستمر، قد تكشف معانيها حلقات لاحقة.. فلنستعد!