هل اقتربت ساحة الحسم؟ النور فجر أم شعلة حرائق جديدة؟ شمس أم قرص لهب؟ سماء رائقة أم سراب خادع؟ تحاصرني الأسئلة من كل صوب، أهرب من شاشة الأخبار إلى تعليقات الصحف. اتنقل بين رف كتب التاريخ وبين وصلات الانترنت التي يدسها الأصدقاء على صفحات «الفيسبوك». أفتش عن الفرح، فأجده مختبئاً في زاوية، محمر الوجه.

أفكر بمن رحل، ومن يستعد للرحيل في معركة كبرى أتهيّب من حدوثها. انفجار البركان الذي قد يهدأ الغليان، ولكن بعد أن يكون الصمت قد نحت صخور الفحم. أستعيد شريط الأحداث، فتنتابني غصة الجرح المفتوح. طاقة من جهنم فتحت، دلفت، ثم هدأت قليلاً لكنها بقيت تضخ دخاناً ساماً يدخل إلى الروح ويعلق فيها إلى الأبد. كيف سيلتئم الجرح؟ جرح الناس يدارون عليه، ويوهمون أنفسهم وغيرهم بشفائه، أو يصدّروه إلى الذاكرة لكي يبقى هناك غائراً تغلفه غلالة الزمن. لكن جرح الأوطان، هل يداوى؟

اقتربت ساحة الحسم.. نثر الكثير من الدماء، فحضر الذباب. طن وزن وحلق وتحولق قبل أن يغطي الأفق. الذباب تجذبه الأشياء الحلوة، ودم الشهداء من سكر. لكنه ذباب، ضار وخبيث ولا ينفع. أفكر بمن أتى بكل هذا الذباب، هل قصد ذلك فعلًا؟ أكاد أجزم نعم، وإلا لما قام بنثر كل هذه الدماء السكّرية؟ العصابيون وعبّاد السلطة والمال لا يتوارون عن تقديم الوطن هدية لجحافل الذباب!

ومن رحل.. لن يعود لكي يشهد اللحظة، سيكلمه عنها ابنه محدقاً في صورة معلقة في صدر الصالون، وسترسل صبية رسالة إلى أمها في العالم الآخر تبكي غيابها في يوم زفافها، ويمّسد أب التراب على قبر طفله، ويسارع شبان إلى توضيب لافتة عملاقة تحمل أسماء الشهداء وصورهم وتثبت في قلب العاصمة، إلى جانب من قتلوا على أيدي العثمانيين والفرنسيين، وسيرمم أصحاب الخير منارات المساجد، ويلون البعض شرفاته بالأسود، ويفكر متموّل بأن يبني متحفاً يؤرخ لـ«محرقة» الشهور الستة، وتكتب جموع الناس عن تجاربها في أيام الخوف والرعب، وتبدل صحف مواقفها ويتلون كتاب.. من خاصرة الحزن سيولد وطن جديد!