البحر يقصفنا. زبد الموت يأتي من الموج. ملح يهطل على جروحنا المفتوحة، يكويها، فتصعد صرخاتنا إلى السماء ولا أحد يسمعها، ولا نورس يلتقطها، ولا شراع يهدهدها.
البحر يقصفنا، يأتي الحقد مع "النوة"، الريح وجه امرأة عجوز، قبيحة مرابية كبرت سنيها على إيقاع الشر، تنهب خيرنا، تمدنا بالقوت الضئيل الذي يعيننا على الحد الأدنى من البقاء، وتطلب، بالمقابل، روح أبنائنا وألق الحياة في عيون أطفالنا، وابتسامة زهّادنا وعزيمة شبابنا.. فاتورة "الحد الأدنى من الحياة" باهظة بحجم حياة المدينة كلها.
البحر يقصف الأزقة وأشجار الليمون وغناء فيروز من المقاهي الدافئة، ويقصف ساعي البريد يختال تعباً في الشوارع الخلفية عائداً إلى بيته بكيس ورق فيه دراق، ويقصف الطفلة في عينها، فتنزف وتفارقها الألوان، فلا يبقى لها شيئاً، فتفارقها الروح. ويقصف الحلاق وعامل النظافة والقصاب والطفل العائد من مدرسته.
بحر الشر يهجم على "أوغاريت"، كما في أساطير القدماء، فيغرقها ويسبي نساءها الآمنات، ويحول كتب الحكمة إلى رماد، وطيبة العقلاء إلى شوك، ووجه الحضارة إلى خراب تتقيأ فوقه الشياطين وترمي الكلاب بروثها وتبدل الغربان ريشها المريض.
وحين يقصفك البحر، لا تفكر إلا بالمطر. تشتاق إلى مطر أغسطس، مبكر، يجلب صاعقته، ترمي بشررها فوق نار قاذفات اللهب، فتطفئها، وتغرق قواعدها. مطر غاضب يقول ان الطبيعة أيضاً ستتدخل، لن تتفرج.
لن ترضى نسائم البحر بأن يلوثها البارود بعد أن كانت تتعطر بزهر الليمون وأغاني العاشقات. لن يزبد الموج على شفاه الموتى، ولن يرسل السمك أكياس الدم إلى أبناء البر. ستبقى ذاكرة أوغاريت منحوتة في عقول أبنائها وتحضرهم، ونقوش بيوتهم، وعلى رمال شواطئهم الفرحة.
وحين يقصفك البحر تشتاق إلى مطر يقلب الموج ويسحب إلى الأعماق قساة القلب الطغاة ولا يعيدهم إلى البر إلا فتاتاً في قلب السمك!