اقتلوا العصافير، لن توقفوا شدو الأحرار. دمروا المآذن، لن تهدموا الصلوات. تخرج من غصة أمّ لم يعد رجلها هذا المساء. انتقلت بين ليلة وضحاها، بين إفطار رمضاني وآخر، بين صحن «فتوش» وآخر.. من زوجة إلى أرملة. اقتلوا الأطفال، لن تحترق الألوان.
ستغطي الفراشات بنفسج الثورة السلمية. ستحتفل الأرض، والسماء، ويهطل المطر على المدن المنكوبة. تتسرب قطراته إلى الأرواح المخنوقة، تغسل عنها غبار السنين، وتزحل بقطرات حمراء لونت الجسد إلى خابية التاريخ، تلك التي تختزن شرف الحياة منذ الخليقة. ما الحياة إذا لم تدافع عنها باذلاً روحك في سبيلها؟ هل يبقى لها معنى؟ هل لك وجود؟
بالأمس كانوا يحاذون حيواتهم ولا يعيشونها. يمرون إلى جانبها، من دون أن يمسّوها. كانت حياتهم ولم تكن لهم. ملكتها العصابة. قبضت عليها، لكنها تسللت من بين أصابعها، كما يتسلل النور من أصابع السماء فجراً، معلناً أن النهار قد حل والشمس قد أشرقت.. حقاً أشرقت!
بالأمس، كان خروجهم إلى الشارع أشبه بنكتة مستحيلة. مستحيلة لشدة يأسها وقتامة البؤس. مستحيل تصورها، تماماً كتخيّل تمساح يخرج إلى حوض الاستحمام من مسرب المياه، أو شجرة تربط عصافيرها بخيوط وتلاعبهم كالعرائس، أو إسفلت يتلوّن في الربيع. لكن المستحيل حصل، وخرج التمساح بعد أن ظن الجميع أنه قابع كسحلية مسحولة لا يمسها شطط ولا سحر!
المدينة تبكي. ترثي أحباءها. تحمّل نفسها ذنب مقتلهم. تؤنب ضميرها: لماذا فتحت لهم الطريق ومددته إلى أبعد أفق للحرية؟ لماذا جعلت أشجاري تتلطف بهم، وحمّلت نجماتي صرخاتهم، تنقلها من سماء إلى أخرى: «هؤلاء أبنائي، هل التهمتهم؟».
تخاف المدينة على إنسانها العربي: كلما لاح شعاع الأمل من بعيد، تبعه مفتوناً، ليجد من يأخذ بيده في نهاية الطريق إلى.. المدافن والقبور.
هذا ما تعرفه المدينة، هذا ما خزنته في ذاكرتها، عند كل مرة أعطت فرصة لأبنائها لكي يلونوا إسفلتها في الربيع. لكنهم فاجأوها هذه المرة، قبّلوا أرضها وسماءها ونجومها، ووعدوها أن «لا تخافي لن نعود إلى المدافن. قد تعود أجسادنا، لكن أرواحنا باتت طليقة.. حقاً طليقة»!