أنقب عن النقب. صحراء البدو التي «لم يركع فيها أموري يبحث عن الكمأة». أسطورة الحرية التي بنت أمجاد العماليق الذين انتشروا في الشرق والغرب يؤسسون الممالك واحدة تلو الأخرى: حلب وآشور وبابل وماري. هذه الأخيرة، تحاذي اليوم الـ«بو كمال» التي تأتينا منها أخبار الدم والتركيع والاعتقال. لكن في النقب حكاية أخرى. حكاية سجن عمره ربع قرن.
من زمن انتفاضة فلسطين الأولى. في قلب الصحراء الأشرس، جدران باردة، تحيط بأنات آلاف الشبان الذين تصلح يومياتهم لأن تكتب في عمل درامي، لا تضاهيه مسلسلات رمضان المشغولة بها أمة العرب في كل عام. هنا، كل ما يشتهي أي كاتب أو مخرج لكي ينفذ عملاً يؤثر في قلوب الجماهير، البطيئة نبضها بفعل تكدس دسم الإفطار. تريدون «أكشن»؟ ماذا عن أفاع تزحف ليلاً على أجساد المعتقلين، تسرب من النوافذ، من فتحات الأسقف الرطبة، من تحت الأبواب الغليظة. كلاب؟
لا أكثر من ذلك: قطط متوحشة تسرحها فرق الموت المسماة «نخشون» و«متسادا» الإسرائيلية، المتخصصة في قمع احتجاجات الفلسطينيين، المعتقلين بـ«قوانين» تعود لعهد المشرعّ البريطاني، قبل ستين عاماً: اسجنوهم بلا أدلة ولا إثباتات (المشرع ذاته غارق اليوم في تدوير القوانين التي من شأنها إطفاء نار لندن».
كل سجين قصة. كل جدار يختزن عيون مائة ألف معتقل مروا من هنا في السنين العشرة الأولى من عمر «النقب»، أي حتى 1996. بعد ذلك توقف العد، ضجر الإحصاء. مهمة الكاتب والمخرج أن ينقبا في تلك الجدران عن اللحظات الأكثر تعاسة. كم لحظة؟ مليون؟ أكثر؟ هذه حكاية: قط متوحش توالف مع حياة الأسرى وبات معينهم في تهريب الطعام. القي القبض على القط وأودع زنزانة وعذبه الإسرائيليون. حتى القط ممنوع من التعاطف مع الأسرى.
حكاية أخرى؟ تسميم 40 معتقلًا قبل أيام بلبن فاسد؟ حكومة فلسطين تحتج دوماً. «التضامن الدولي لحقوق الإنسان» من واشنطن احتجت قبل فترة على «الظروف العنيفة وغير الصحية» للسجن. صوت ضاع في فضاء التحيّز والتواطؤ. أنقب عن النقب وأتخيّل «دراما» الاعتقال والتعذيب، حيث «العماليق» يجبرون على الركوع، فتهتز أرض الإنسانية!