أربعة بيوت، من كل عشرة في إسرائيل، تنعم بالكهرباء.. من أعماق مصر. هذا قياس قد يكون غير دقيق، لكنه يحاكي الحقيقة المعلنة حول مساهمة الغاز المصري بإنتاج 40% من كهرباء إسرائيل. ملف الغاز الذي باعه الرئيس السابق حسني مبارك بأقل من تكلفة استخراجه إلى قتلة الأطفال وناهبي الأرض ومواطني أكثر الدول عنصرية على الأرض، لم تكشف كل أوراقه بعد.
غير أنه بات من الواضح والمعلن، أن الرجل الذي شاهده شعبه كما شعوب الأرض، هزيلا على سرير التوهان خلف قضبان السجن الباردة، كان له الدور الأكبر خلال السنوات الماضية في تدفئة بيوت المستوطنين مغتصبي الأرض وقاتلي الزيتون واللوز، وكذلك في تدفئة جيوب الحكومة الإسرائيلية، التي لم تكن بحاجة إلى الصرف من موازنتها على كهرباء مواطنيها، طالما ارض الفراعنة كانت متكفلة بتقديم هذه الهبة.. مجانا!
وبعد أيام قليلة من صرخة الديكتاتور من قفصه "أفندم"، كان مواطنو إسرائيل يصرخون في الميادين، احتجاجا على غلاء المعيشة وفساد المسئولين.
توقف عطايا مبارك كان أحد الأسباب المباشرة لتلك الاحتجاجات التي تزامنت مع رفع فاتورة الكهرباء 10%، على أن تتكفل الحكومة سداد 10% أخرى من حصتها. الديكتاتور أرهق، فأرهق معه، بشكل مباشر، مواطني إسرائيل وحكومتهم.
هل علينا بعد ذلك أن نشكك في انجازات ثورة مصر ونخاف من انجاز أي ثورة عربية في أي بلد يحكمه طغاة، يسربون جليد الموت إلى مواطنيهم، فيما يمنحون دفء الحياة إلى القتلة والغاصبين؟ لكن علينا أن نتنبه هنا ولا ننجر وراء الوهم: غضب تل أبيب ليس "ربيعا"، ولا يمكن أن نمنحه هذا التوصيف. فمدن الموت والجزارين لا يزورها ربيع.
إنها تحركات تريد أن تثبت للعالم، مرة جديدة، أن إسرائيل بلد ديمقراطي يعامل المحتج فيها بتحضر لا بالدبابات والطائرات، كما لدى "جيرانها العرب". تحركات تهدف إلى التوكيد على الأسطورة القائلة أن إسرائيل هي واحة التحضر وسط غابات التخلف. وللأسف، فإن بعض قادة العرب يقتلون فعلا شعوبهم بالدبابات، لكن هذا الإجرام لا يمنح إسرائيل شبهة التحضر والديمقراطية، لأنه، ببساطة، إجرام من منبع واحد!