إسرائيل قتلت منذ بداية العام أربعة آلاف شجرة زيتون ولوز. تقرير للأمم المتحدة أورد الرقم. المستوطنون وجنود الاحتلال يجرفون الأرض، يحرقون الزيتون واللوز، ويعتدون على رجال الإطفاء إن تقدموا لإنقاذ الشجر. الأرض للفلسطيني كل شيء. هو الموسوم بالتهجير واللجوء والتشرد، يتشبث بزيتونه ولوزه كضمانة أخيرة للحياة.

كرمق ضعيف لم ينسحب بعد حتى النهاية. يحنو الفلسطيني على شجرته وتحنو عليه، يسألها عن جده وأمه وأبيه، يودع فيها الذكرى، يحفظها من الاندثار، لكي يسترجعها حين تمحى الذكريات ويزوّر التاريخ، ويتواطأ الغريب مع الشقيق على محو الهوية واغتيال الحق. يهمس إليها: "هل أموت قبلك؟ هل ترحلين قبلي؟ إن أحرقوك، عديني ألا تفتحي لهم خزنة السر المودعة في عروقك.

عديني ألا تكشفي عن تاريخ العودة وسرّه. وان رحلت قبلي، سلّمي لي على الأحبة". يرفرف طائر من عمق اللوز، وتلمع أوراق الزيتون كما الفضة. إنها القبلة التي اعتاد الفلسطيني أن تطبعها شجرته على جبينه، حين يملأه الأسى، وتشف روحه الحزينة.

فكّرت وأنا أتلقف تقرير الأمم المتحدة بخاطرة غريبة. لقد قتلت أربعة آلاف شجرة في فلسطين خلال الشهور الستة الماضية. وقتل في الفترة ذاتها ما يفيض عن هذا الرقم من بشر بين مصر وسوريا وتونس واليمن وليبيا.

وتساءلت: ماذا لو أهدي شجر فلسطين المقتول لشهداء الثورات العربية؟ توزع كل شجرة محروقة من أرض اللجوء والنكبة العتيقة، إلى أرواح الشهداء المقتولين في أراضي "النكبات" الجديدة. يتعلق الليبي المقتول، على يد الحاكم العربي الظالم، بالشجرة المقتولة على يد الصهيوني المجرم. يحضن السوري المقتول على أيدي "الممانع" شجرة الزيتون الممانعة. تنام شهيدة التحرير بين أوراق اللوز. كلهم في السماء.

يحضنون أشجار فلسطين ويصعدون إلى حيث منتهى الرحمة. يتضامن الحزن القديم مع الأحزان الجديدة، ويصبح عمر شهيد حماة ومصراتة والقاهرة، ألف سنة، كما عمر الزيتون. وهناك فقط تفتح الأشجار خزائنها لشهداء الانتفاضات العربية وتكشف عن السر: أنتم طريق العودة!