الحاضنة لا تأتي بالأوكسجين، لا تعدّل الحرارة، لا تساعد على نمو الكبد ولا الرئتين، لا تدلف بالياسمين ولا تتسع لملائكة يحرسون الخدّج المساكين. الحاضنة، بعد أن قطعت الكهرباء عن المستشفى، تحوّلت إلى صندوقة مقفرة، رطبة ولها رائحة العرعار المحروق، التي تذكر برائحة الموت.

شياطين الجنّ يصفّدهم رمضان، يمنعهم من الوسوسة والهسهسة والفساد والإفساد. شياطين البشر طليقة، تقفز فوق محوّلات الكهرباء التي تمدّ المدينة بالطاقة والحياة. تقطع الكابلات، تعضّ عليها بأسنانها، تمزّقها إربا كقرود دموية تنهش في جيفة طائر.

 المدينة محاصرة، ومعاقبة لأن سكانها صرخوا بنداء الحرية. الشياطين انتقمت فمنعت عن المنتفضين الماء والغذاء والكهرباء. الكبار فوّضوا أمرهم لله. لديهم من الخبرة والتجربة ما يجعلهم قادرين على تدبر أمرهم لأيام في مواجهة الحصار. لكن الكهرباء انقطعت عن المستشفى، وفيها حاضنات تحوي أطفالا خدجا ولدوا للتو.

ولدوا قبل الأوان، استعجلوا المجيء إلى الحياة، فكانت مكافأتهم الموت. وكأن الموت يداهمنا حين نرغب بالحياة بشدة، كبارا وصغارا. عشرين طفلا في مستشفى حوران في حماة قتلوا في مهد حاضناتهم بعدما قطع عنهم الأوكسجين، بحسب الأنباء الواردة. أمهاتهم لم يفرحن بعد بهم، لم يذقنهم طعم الحليب الذي خزنّه في الصدور للأحبة.

طفل الحاضنة المخنوق لن يصل إلى شهره الرابع لكي يبدأ تحريك رقبته، ولا السادس لكي ينقل "الخشخيشة" من يد إلى أخرى، ولن يصل إلى التاسع لكي يجلس والعاشر لكي يحبو والثاني عشر لكي يمشي. حين أودع الحاضنة الصغيرة، كان الأمل كبيرا أن يكتمل نموا ناقصا نال منه بفعل الولادة المبكرة، فيتشكل الكبد كاملا وتتشكل الرئتان كاملتين، ويصبح الجسم الضئيل قادرا على مقاومة تدبلات درجة الحرارة، وتظهر حمرة على وجهه، ويناغي ذات يوم بالقول:" ماما.. بابا.. دادا".

الأطفال أودعوا الحاضنات لأنهم أطفال وأبرياء ولا يفقهون، وليسوا مدسوسين ولا جزءا من عصابة، ولم يحملوا سلاحا، الا اذا اعتبرنا أن تلك الزفرات المرتعشة التي كانت تخرج منهم في تلك القواقع الزجاجية، تحارب من أجل الحياة.. أنفاسهم المعطرة بياسمين الجنة التي عادوا إليها، ملأتها رغبة الحياة التي لم ترق لشياطين الموت!