أستغرب من السكاكين التي ترفع على رقاب بعض المسلسلات الدرامية، ولا يكون قد مضى على بدء عرضها خلال رمضان إلا أيام قليلة، لكي يعرف الصالح من الطالح، بحق، بعيداً عن تصفية الحسابات على صفحات الجرائد وفضاءات الانترنت، أو إمطار الشركات المنتجة بمئات البيانات والشكاوى.

لماذا كل هذا الغبار يثار حول أعمال من المفترض أنها، مهما قاربت الواقع، أو جسّدت شخصيات واقعية، هي في نهاية المطاف محض ترفيه، لا يراد منه سوى تسلية الصائم أو المفطر، وإلهائه عن شؤون العبادة التي تتلاءم مع روح الشهر الكريم. لماذا ينجرّ صحافيون إلى هذه المهاترات، فيقدّمون خدمات ترويجية لأعمال سيئة، لا يمكن الالتفات إليها إلا بسبب الجلبة المثارة حولها.

دعوا الأعمال السيئة تذهب إلى مقبرة التاريخ، كما دوماً. من يذكر اليوم ذلك المسلسل السقيم الذي تناول سيرة سعاد حسني بعد فترة قليلة من قتلها؟ لا أحد، لأنه، ببساطة كان سيئاً على مستوى القيمة الفنية، ولم يكن أحد بحاجة إلى تذكير الجمهور بالأمر. ستثبت الذاكرة إذا كان مسلسل "في حضرة الغياب"، في المقابل، الذي حيك حول حياة الشاعر الفلسطيني محمود درويش.. هو عمل يستحق أن يشار إليه أو يهمل، لنعط ذاكرتنا فرصة.

حقاً، أستغرب كل هذا الاهتمام بأعمال الترفيه واتهام بعضها بأنه "يجافي الواقع"، في الوقت الذي نرى فيه غالبية من يثيرون تلك الزوابع، منددين بالدراما ومطالبين بـ"الواقع"، منصرفين تماماً عن واقع حقيقي ومؤثر يعيشه العالم العربي، متمثلًا بثورات الشعوب التي تهدر دماؤها وتنحر رقابها كل يوم، كما لو أنها خراف العيد، وإن في رمضان! لماذا لا يهتم منتقدو الواقعية الناقصة للمسلسلات، بواقع آخر ممتلئ حتى الثمالة.. واقع لشدة واقعيته السوداء بات يوازي.. الخيال!

غريب جـــداً أن نطــالب بمحـــمود درويش واقعي، في دراما تشرعن استخدام الخيال، في الوقت الذي لا نكترث فيه بواقع آخر يجسد قيم الشاعر وفلسفته على الأرض، كل لحظة: الحرية والكرامة، تلك كانت توصيته التي يصدح بها الآلاف اليوم ولا يجدون من يدافع عنهم!