تصفّح الجريدة كما في كل صباح. طالع العناوين ذاتها كما في كل صباح. أحس بذلك الاشتعال الغاضب الذي يحرق قلبه ودماغه، كما في كل صباح. لكنه، وعلى غير عادته في كل صباح، سكب فنجان قهوته على صورة "القائد" التي احتلت الصفحة الأولى، ثم هجم على أوراق الصحيفة يمزقها إرباً إرباً. أصيب الرجل البائس بنوبة هستيرية أفقدته وعيه، ولم يفق إلا على رائحة ماء الزهر الذي كان يدفق على وجهه من قارورة مصفرّة، في زاوية المقهى التي نقل إليها. كان لا يزال يتمتم: "المنافقون.. إرباً إرباً.. الكذابون.. إرباً إرباً".

صديق الرجل شاعر، كان برفقته حين انتابته نوبة الغضب، كما أن شيئاً من القهوة قد نال من ربطة عنقه العتيقة: "أقلقتنا عليك.. يا رجل، تماسك، القادم أصعب، ماذا حل بك؟ لماذا تطالع هذه الصحيفة الوسخة، ماذا تتوقع؟ معجزة؟ ثوار يقتحمون المطبعة ويغيّرون شكل الحروف في آخر الليل، فتأتي العناوين مغايرة عن العصابة المسلحة والمؤامرة والمندسين، أم أنه الحبر، لشدة غضبه من منافسة الدماء لسيلانه، قرر أن ينتفض ويغّير لونه إلى الأحمر! تخيّل عنواناً كالتالي: الرئيس يعد بمستقبل باهر، يأتيك باللون الأحمر القاني، وحروف تسيل إلى قلب الصفحة فتصبغ أسنانه.. تخيّل".

نجح الشاعر في أن يهدئ من روع صديقه، الذي ارتمى على الكرسي، فيما حرّ الصيف يبخّر سريعاً ماء الزهر عن وجهه، فيعبق في الجو، لثوان، نسيم عطري. قال الشاعر: "دعك من الصحيفة واسمع قصيدتي الجديدة: نكرهك، نعم، لنفاقك وعفن روحك وجنونك القبيح، لقد سفحت القربى فلا مروءة لك ولا شرف، بل أب يأمرك من الضريح". ابتسم الرجل، ليس للقصيدة، بل لصوت المغني عماد غازي يصدح من الراديو بكلمات أغنيته الشهيرة: "لزرعلك بستان ورود وشجرة زغيرة تفييكي".

الراديو أعلن عن وفاة المغني بشكل طبيعي. الرجل تذكر أباه الذي كان يحب الأغنية ويدندنها لأمه، كإشارة سرية على فيض الهوا. الأب والأم وسبعة أعمام وثلاثة إخوة، فقدهم الرجل في مجازر 1982. الراديو أعادهم كلهم في لحظة. ركض كالمجنون. الشاعر راقبه باكياً. عرف أنه لن يراه مجدداً. قتلته أغنية جميلة في زمن قبيح!