حبات التمر على رخامة "المجلى". زجاجة لبن لم تفتح بعد، طازجة تنتهي صلاحيتها خلال يومين.. مكتوب على عنقها تاريخ موتها. لكن الوقت رمضان، وهو لن يتمكن من شربها قبل موعد الإفطار. ساعات قليلة، لا همّ، وسيعود إلى داره وزوجته وعياله.
الصغيرة لا تزال ترضع، لكن الولد بلغ الثامنة، وأراد أن يصوم مثلما يفعل أبوه. قبل سنتين، جاءه يخبره: "بابا، سأصوم عن الشوكولاته، لن أشتري من أبو لطفي أي سكاكر، لقد كبرت، أنا أيضاً أصوم. هل يمكنني أن أشرب فقط الماء وآكل دجاجة؟". ضحك آنذاك كثيراً، كما لم يفعل من قبل، احتضنه وقبله: "غداً تكبر وتصوم عن كل شيء".
رمضان هذه السنة غير كل عام. المدفع مدافع، والتكبير تكبيرات، وأدعية الصلاة تشتكي من الظالم وتدعو الله أن يقتص منه. لكن الظالم لا يتوقف عن سفك الدماء، لا يعرف شيئاً عن روحانية الشهر، لم يتعلم معاني رمضان من بيته وهو صغير، لم يصم عن الشوكولاته، فقد كان مدللًا، مغناجاً، حتى فسد وفارقته رجولته حين كبر. الظالم قرر أن يفرّغ عقدته في شعبه، أراد أن يثبت للجميع أنه "ذئب" وقوي وقادر، فخرج إلى الشرفة، بينما صوت الأذان يتعالى، وصاح بأعلى صوته: "سأقتلكم جميعاً، في كل حارة وزنقة وبيت، في كل يوم وشهر".
الأب كان هناك. صلّى الفجر، دعا الله أن يأتي رمضان بالخير والسلام للجميع، وينصر المستضعفين والمقهورين ويبرد قلوب الأرامل. نظر إلى السماء وبكى، تخيّل صورة الصبي يضحك ويقول له: "بات عمري سبعة، سأصوم عن الماء والشوكولاته". الأب سينتظر فتح دكان الألعاب بابه ويشتري للصبي سيارة ملونة. لكن، فجأة، رشق مدفعية يضرب صحن الجامع. تنحر شظية ساخنة عنق الأب. يتشهّد ثم يستشهد. كانت كلمة الله وأكبر آخر ما تفوه به، وصورة الصبي آخر ما تبدى له.
في البيت، صحت الزوجة من كابوس مفزع.. خرجت إلى الشرفة. انتبهت إلى التمر واللبن مع الأغراض التي اشتراها زوجها البارحة.. شعرت بنار في قلبها. سيمر اليوم ولن يعود. سييبس التمر ويفسد اللبن!