نحتاج الى فانوس.. ضخم، عملاق.. ينير طريقنا. لقد عرفنا الطريق لكن ظلاماً لا يزال يسقط لفائفه الداكنة فوقه. حين احتشدنا بالملايين، في الساحات والميادين، ورفعنا صوت الغضب والكرامة، وانفجرنا وفجرنا، ثم قمنا من موتنا نجمع الأشلاء، كما في قصيدة شاعر حزين، كما في قصيدة لمحمود درويش، كنا مصرين على أن نكمل الطريق. كان الطريق قد أصبح لنا، اسمه من اسمنا، روحه من روحنا، فغنينا "الشارع لنا.. إحنا لوحدنا"، بعدما كان "شارع مارع صحن كوارع"، على رأي الأستاذ صلاح جاهين. لكن ظلاماً لا يزال يخيّم عليه، وعلينا، وانتبهنا الى من خدعنا، ومن سايرنا لكي يكشف عن أنيابه، ويهجم على شارعنا، لذلك كله نحتاج الى "فانوس"!
في القاهرة وتونس واليمن وسوريا وليبيا، يبدو المستقبل محاطاً بألف سؤال وسؤال. ماذا بعد الدماء، ودفع فواتير الحرية، من سيستلم كشف الحساب منا، من سيبني معنا، من هم الأبطال الذين سيقودون زخم الثورة، ويحولونه الى مدن عصرية وحرة، تتسع للجميع، لا يموت الفقراء في زواياها الباردة، ولا ينهش الفاسدون في جسدها من دون حسيب ولا رقيب. أوطان لطالما حلمنا بها، وشعرنا أنها باتت مسافة عقلة وأقل، فإذا بها أبعد مما تخيلنا. هل توهمنا؟ هل أخطأنا حين خلعنا عنا رداء الذل، هل تعرينا، كما يحلو للبعض أن يصفنا، معتبراً ثوراتنا "شعبوية" لا "شعبية"؟ لا يجب أن يلام المرء على رفضه الخنوع، علينا أن نؤمن بشرعية وأحقية وأهمية ما فعلنا، ثم كل الأمور، بعد ذلك، قابلة للنقاش!
"راح اللي راح.. ما عدش فاضل كتير"، يقولها الأستاذ جاهين أيضاً، وعلينا أن نعرف أن المخاض لن يكون يسيراً، وأن الولادة بعد المخاض قد يترصدها الحاقدون المستغلون، وقد يخطف طفل المخاض البهي من حضننا ويذهب الى حضن آخر. علينا التنبّه، أن نوحّد الصف، نمنهج العمل، نتحد للحفاظ على مكاسب ثوراتنا، ولإشعال فتيل الفانوس العملاق، الذي سينير لنا الطريق. لكن علينا أن نتأكد أن الفانوس سيأتينا من مصنع الأنوار لا من مصنع الظلمات!