أحتار ما هو «سقف العالم»؟ هل هي ديون أميركا، أم الحرية في تلك القرى النائية التي تجتاحها الدبابات ويساق أبناؤها إلى المعتقلات، مغللين مذلولين، على طريقة العصور الغاربة؟ هل هي تلك الطبقة التي تحتبس فيها دخائن جشعنا الصناعي، لاهبة ملتهبة، ناقمة منتقمة، تبعث إلينا بإعصار أو «تسونامي» أو خسوف طين ينهار تحت أقدامنا؟
في أوقات الرطوبة الحزينة، التي تأكل روح الفضاء، أفكر أن «سقف العالم» هو تلك الطبقة التي يعلو إليها الإنسان، يرتفع، ثم يحترق كما لو كان نجوما تهوي رماداً، فيعود ليتحد بالعنصر الأول، حيث الحقيقة والوجود: التراب. في تلك الأوقات الكئيبة، التي أهرب فيها إلى «ماكينة الاسبريسو»، لمزيد من الكافيين، حين يستعصي النوم.
وتصبح الأحلام شوك الليل، وتدق الأفكار دماغي كما في سوق يمني قديم تدقّ حبوب القهوة.. أبحث عن سقف للعالم، فلا أراه إلا مطلياً بلون أحمر داكن. لون القتل الذي يجسد ضميراً ميتاً للإنسانية، هو محرقتنا اليومية.
ثمة أوقات للانتعاش، حين يتصل بك صديق يخبرك أنه بات خارج المعتقل، حين تخرج بنت صغيرة من أحشاء قريبة لك، تكافئها الحياة بعدما عذبت صباها البنفسجي، حين ترمي الأم عكازها وتعود طفلة صغيرة «تتنطط» وترقص متفاخرة بحركتها وعضلاتها وعظامها المطواعة، حين يحضنك الحب مذكراً إياك بأنه لا يزال هناك، يحيطك في أوقات الجفاف والمآسي، حين تكثر إشارات الـ«لايك» مذيلة ما تكتب، حين يلاعبك عصفور فيتصرف مع سيارتك كما يتصرف الدلفين مع قارب يمخر عباب الموج.
. يشعرك العصفور الشقي بأنك قبطان وأن سيارة الـ«فورد» التي تحب هي، فعلا، دلفين أزرق.. حين يؤكد لك «جاك نيكلسون»، في أي فيلم تشاهده له، بأن ثمة ممثلين يكفي أن يكونوا على قيد الحياة لكي تتأكد أنك لا تزال تعشق السينما، حين تخطط لزيارة حقل «توليب» وشلال تسبح في حوضه، وتنوي كتابة قصة قصيرة عن عجوز يدير مسرح عرائس في مدنية تحترق ويعلق أبناؤها على المشانق كما لو كانوا عرائس.. حين يتبدّى ذلك كله، أفكر أن «سقف العالم» هو مسّ فرح مفاجئ!