وهذا المصور اللئيم، يقف على الرصيف، يمغّط عدسته قليلا إلى الأمام، وقليلا إلى الوراء، كأنها رأس ثعبان يتأهب للانقضاض، هل هو جاسوس يقنص صور المتظاهرين في برلين؟ الأصدقاء على "الفيسبوك" ارتابوا. وهم يراجعون لقطات الفيديو فيما بعد، بعد انتهاء التظاهرة، تبدى لهم المصور، بنظارته وسمرته، واجما، محدقا، لا يحرك عنقه قيد أنملة، بل "زووم" الكاميرا يطلق سهامها نحو الوجوه راغبا باغتيال ملامحها كاملة وحفظها في ذاكرة العدسة.

وضعوا على صورته كلمة "مطلوب" wanted وعمموها على رفاقهم في ألمانيا وفي كل مكان:" على من يتعرف على هويته أن يخبرنا على الفور". يريدون القبض على من اعتبروه "مندسا" بينهم، هدفه تجميع صورهم، وإرسالها في "ألبوم الرعب" إلى أجهزة النظام المستنفرة والمستفزة بفعل التظاهرات الغاضبة التي تجاوزت البلد إلى مدن عالمية مثل برلين وباريس واسطنبول.

 فلا شيء، ولا أحد، يجب أن يفلت من سوط المحاسبة والانتقام، لا من يصرخ عند "باب عمر" ولا عند "بوابة برلين". أما الأفاعي، فحدّث ولا حرج. بوسعها أن تكون في أي مكان، وتتقنع بأي صورة: مصور فوتوغرافي، مذيع يلهث وراءك في المؤتمرات لكي يعرف بيانات كاملة عنك ويرسلها في تقارير، زميل لك على المقعد المجاور، ممثل لطالما أوهمنا بأنه حامل راية الممانعة والتعاطف مع مآسي شعوب فلسطين والعراق والصومال، فإذا به، وحين تطوف دماء المستضعفين في بلاده، يصمت أو ينبري لكي يدافع عن الشيطان. يصبح مثل "زوم" الكاميرا، يتمدد ويتمغط ويفحّ بنفاقه وريائه.

مصور برلين "وانتد"، وهي الكلمة التي لو استطعت، لحفرتها على جباه كل جاسوس أو كاتب تقارير أو متلون أو منافق، بخط أحمر عريض، لتكون دلالة على ذله ومهانته، إلى الأبد.

ستصل هذه الصور إلى السفارة، ويتم البحث في الملفات عن أصحابها، وتبرق الأسماء إلى وزارة الخارجية، ومنها إلى أجهزة النظام. سيبحث عن آباء وأمهات الشباب الذين في صور برلين، ويتم استدعاؤهم، فيهانون ويضربون ويطلب منهم الضغط على أبنائهم ممن في الخارج. ستتصل أم منتحبة بابنها في برلين. قد يتأثر، وسيرد:" أمي، لا تجزعي، سيموت الثعبان"!