لا شيء يجمع بين إيمي واينهاوس و«فهمان»، سوى أنهما فارقا الحياة في أسبوع واحد، وأن الأولى مشهورة في العالم العربي، بينما الثاني غير معروف خارج حدود بلده لبنان، تقريباً. لكنني حزنت لموت الاثنين، حيث إن صوت المغنية البريطانية «يطربني»..
وهذه كلمة قد تبدو غير لائقة، بعيداً عن الغناء العربي الشرقي. لكن واينهاوس ليست مجرد صوت قوي في عالم الروك والجاز، بل «نمط حياة»، أو «لايف ستايل» كما يقال. وإذا ما حكّمنا الميزان الأخلاقي، فهذا النمط سيكون مستهجناً بل مداناً، تحديداً في عالمنا العربي. فهي مدمنة مخدرات، ومكتئبة، ومتفلّتة، أحياناً.
لكن الملايين حول العالم بكوها ورثوها. في لحظة فقدانها، لم يبدوا مكترثين لمحاكمتها أخلاقياً، هم الذين غنوا معها من قبل «أعرف أنني قبيحة» و«قالوا سيأخذونني إلى مصحة قلت: لا.. لا.. لا».
ربما شعروا وهم يرثونها أنها تجسد شيئاً في دواخلهم، فهم لم يلجأوا إلى المخدر، لكن في حياتهم من الهشاشة والسوداوية وأسباب الكآبة، أو الخطايا، ما يجعلهم يتفهمون ذلك «القبح». ربما أكون قد حزنت عليها بهذا الدافع، مع التأكيد على إعجابي بصوتها وطريقة أدائها «فرحت أنني لم أحضر حفلتها في دبي، إذ قيل أنها كانت مترنحة وتنسى الكلمات طوال الوقت».
«فهمان»، أو محمود مبسوط، أمر آخر. هو خيالات الطفولة وذكرياتها.
الضحك البريء، الذي لا يفرّق بين النكتة القيّمة وتلك الساذجة. حين تكون طفلًا يضحكك أي شيء طريف، يتحرك بانفعالات، يلدغ في حروف كثيرة، يلعب دور الشرير الذي يخسر في كل مرة أمام الطيّب الحكيم (الممثل صلاح تيزاني المعروف بأبو سليم)، فتضحك على خسارته، كما تضحك على خسارة القط «توم» أمام الفأر «جيري» في كل مرة. لكن «فهمان» يتعدى ذلك البعد.
إنه، على المستوى الإنساني، نموذج الإنسان اللبناني المقهور، الذي استمر في ممارسة ما يحب (التمثيل) رغم تغيّر البلد وناسه على مدى السنين.
«الشريران»، واينهاوس وفهمان، رحلا عن دنيانا. تركا قليلا من الحسرة في نفوس المعجبين، وصوراً كثيرة للأرشيف لن تتجدد، وحكايات عن المسرح الأخير، وفناً لا يموت.