حين تناثرت المعلومات الأولية عن تفجير النرويج، حمدت الله. قد تكون العبارة غريبة، توحي بأن كاتب هذه السطور مصاص دماء أو حاقد أو لا إنساني. لقد تمزق كبدي حزناً على ضحايا أوسلو الأبرياء، لكنني، في الوقت ذاته، لم أمنع نفسي من أن أحمد الله على كون مرتكب التفجير لا يمت بصلة إلى العرب أو الإسلام. بل على العكس، هو كاره لتعددية المجتمع الأوروبي، وهي العبارة اللبقة التي تستخدم عادة للإشارة إلى مهاجرين عرب ومسلمين لم يعد مرحباً بهم، تحديداً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي لا تزال، بنظري ملغزة.
ليس هذا فقط، فالقاتل معجب بأكثر محطات تاريخ أوروبا فظاعة وسوداوية، إنها حقبة «الحروب الصليبية» التي كانت اللبنة الأولى لسلسلة من العصور الاستعمارية، والغزوات التي قادها ملوك ورؤساء القارة العجوز ضد بلاد المشرق، فنهبوا ثرواتها ودنسوا مقدساتها، ولا يزالون، بطرق وأشكال مختلفة (حسني مبارك وزين العابدين والقذافي يجسدون شكلًا معاصراً لذلك القهر).
ولا شماتة في الموت، ولا في إراقة دماء الأبرياء، فهي جريمة تدان، في كل مكان. لكن ما يعنيني هنا هو تلك الثقافة الأوروبية الآخذة في سيرها إلى إفراز مزيد من الظواهر المتطرفة، ضد كل «آخر». وهي مظاهر عنيفة يبدو أن المجتمعات التي تولّدها لم تعد قادرة على حماية نفسها من لهيب عنصريتها وتطرفها. السؤال الذي يطرح الآن:
هل انقلب السحر على الساحر؟ فمن سمح لرسام دنماركي أن يهين الملايين بكاريكاتور مسيء لرسول الإسلام، ومن سمح لمخرج هولندي أن يثير زوابع بكلام وأفلام لا تقل إساءة، ومن أدار ظهره لمئات الأمثلة عن الأمراض المتفشية في مجتمعات أميركا (كلنا نذكر خطاب جورج بوش عن رسالته في استكمال الحروب الصليبية) وكندا وأستراليا وأوروبا.. من تغاضى في لحظة عن كل ذلك العبث الحاقد، بدعوى السماح بـ«حرية التعبير»، عليه أن يقف اليوم وقفة مراجعة ويسائل ضميره ما إذا كان قد شارك في قتل أبرياء أوسلو. التطرف مقيت مهما بلغت درجته، وهو قد يبدأ بكاريكاتور ولا ينتهي عند تفجير!