لو كنت بحرا، لما كافأت لبنان، الدولة، بهدايا النفط والغاز السخية. لكنني لم أكن لأنتقم أيضا، لأن انتقام البحر »تسونامي« يجلب ويلاته للفقراء والبائسين، لا لثلة العصابة التي بوسعها أن تحمي نفسها من غضب الطبيعة. لو كنت بحرا، لرويت اليوم، على قناة »أل بي سي« في »أحمر بالخط العريض«، حكايتي:
أنا بحر لبنان الذي لم يمر سياسي على هذا البلد إلا وانتهكني، ونهب خيراتي، وتعدّى عليّ، وساوم باسمي، وزوّر شهادتي، وقال ان عطائي لـ»شعب لبنان أجمع«. فباسمي، نهبت ملايين الدولارات التي انكبت على مكب نفايات ابنتي الفينيقية صيدا، لكنها سرعان ما تبخّرت في جيوب المسؤولين، وبقيت متسخا، تخنق الحيوانات النافقة وجه أمواجي، وتنحشر عبوات البلاستيك في عمق كبدي.
وأنا بحر لبنان الذي أشتاق للفقراء. لذلك الذي ليس في جيبه عشرون دولارا يحتاجها لزيارتي. لكي يلامس ملحي جبينه، فأهدهده، وامسد جراحا، وبؤسا وشقاء شرنقته العصابة حول أيامه وأحلامه. لقد اغتصبني ثلة الساسة منذ زمن بعيد، واختاروا لي أسماء بالفرنسية. فبت »البلاج«، ملكا للسياسي، لا يتمكن من زيارتي سوى من يشتري تذكرته، فلم أعد بحرا للجميع، بل للخاصة.
أنا بحر لبنان الذي لم تتوقف محاولات العصابة عن نهب خيراتي، وحين استعصيت في مرة، احترقت البلد، وصبت الجثث في داخلي. قبل ثلاثين سنة وأكثر، جاءت شركة رئيس وزراء اسمه كميل شمعون، لكي تنهب أسماكي الصغيرة وتمنعها عن أبنائي الصيادين. أرادت شركته »بروتين« أن تقتلهم وتحرق قواربهم، فانتفضوا واحترق البلد ومات مائتا ألف شخص في حرب همجية.
واليوم، يقولون ان ذهبي الأسود، الذي خبأته ملايين السنين تحت ملحي، سيكون منفعة »لشعب لبنان«. أتراه كذلك أم أن العصابة ستبيعه وتدس ثمنه في جيوبها، »لا من شاف ولا من درى«، ويكون عليّ فيما بعد أن أجنّد »جنياتي« لكي توحي لكتبة »ويكيليكس« بالحقيقة عن أصحاب المليارات الذين يفقرون الشعب باسم »الطائفة«؟
انتهت رسالة بحر لبنان. ولو كنت مكانه لاحتجبت، وخبأت نفائسي، فهي لن تجلب إلا مزيدا من الويلات للشعب والخير للعصابة!