فاقبلوا الاعتزال والهروب، لأن حفرة للتاريخ تناديكم. ستعثر الأيام عليكم، مختبئين فيها، كما الجرذان التي شلها الطاعون، كما خفافيش الليل التي تقاعدت، بعد أن هدّها كثرة مص الدماء النقية. سيخرجونكم من الحفرة، بشعر أشعث، تحت فلاشات الكاميرات، وعدساتها، وتلك المايكروفونات الضخمة المدفأة بصوف، تلتقط تأوهاتكم، هناتكم، كلماتكم المصدومة، البلهاء، المبعثرة.

سيسلّطون بطاريات تضيء لمبات نيون في حدقات عيونكم، ويحشرونها في أفواهكم، تحت النيرة وفوق اللهاة، كأنكم مصابين بالجذام يتم فحصكم للمرة الأخيرة. ستفوح من قمصانكم رائحة العفونة ومن رقابكم رائحة الرطوبة، وستظهر أظافركم المتسخة، بحواف سوداء، من دم قديم متخثر.

.. فاقبلوا الاعتزال، لأن حفرة التاريخ، التي لم تظنوا يوما أن مآلكم إليها، قد احتضنت من قبلكم، من ظنوا أنفسهم الجبابرة على الأرض، وأنهم لا يمسون، وأنهم «خالدون". وهم مثلكم، لطالما تحدثوا عن «القضية"، وأنشدوا عن «الممانعة"، وجعلوا فلسطين سيرتهم، لكأنهم روح الأقصى وقلب القدس، فإذا بنا نكتشف، ولو بعد حين، أنهم لفلسطين كارهون، وللعروبة، وللوطنية، ولأوطانها، وناسهم، وأشجارهم، وأطفالهم.. ولأنفسهم. وهم مثلكم أوهمونا أنهم الخلاص، وأن دنيانا تنتهي إن انتهوا، والخراب قادم إن تخلوا عنا، فإذا بخلاصنا يولد من نهايتهم، ودنيانا تنبني من جديد بدمارهم، وأمل يلوح لنا بمستقبل أكثر إشراقا.

.. فاقبلوا الاعتزال، ولا تطالبوا بضمانات. لا ضمانة لمجرم إلا رأفة الأقدار. وهذه قد بدأت تستجيب لمشيئة الناس وإرادتها، لذلك فهي لن تتواطأ بعد الآن، ولن تهمل، وسيكون الحساب سريعا ومجديا. فاهربوا الآن، واختبئوا، فربما تتسع الحفرة لملاذ آمن إلى حين، وربما تودي سراديبها إلى أمكنة نائية، لكن رائحتكم ستفوح، وسيستدل الشجعان عليكم من هذه الرائحة النتنة، وسيصفون حساباتهم وحساباتنا أجمع معكم، ولن تنكروا ولن تكذبوا، فالدماء بين أظافركم تشهد على ما اقترفت أياديكم. اذهبوا إلى حفركم، سيأتيكم الشجعان!