لم يسئ أحد للعرب كما فعل روبرت مردوخ. صقر اليمين المتطرف الذي نسج أعشاشه في بقاع الأرض، تنبت أبواقاً تغرد بكل ما هو ضار وشرير، كان يحرك الرؤساء في بريطانيا وأميركا كما تحرك عرائس «الماريونيت».

هذا الكلام ليس كلامي. كما أنه لم يظهر إلى العلن اليوم، في ظل "هوجة" محاسبة الرجل، انه كلام نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية في يونيو 2009. أكدت الصحيفة آنذاك على العلاقة المتينة التي تربط رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بمردوخ، وكيف قادت وسائل الإعلام المملوكة من قبله حول العالم حملة الترويج والتأييد للحرب على العراق. تلك الحملة التي كان لها أثر في اتخاذ قرارات مهمة بخصوص حرب أودت بحياة مئات الآلاف من البشر وغيرت وجه المنطقة إلى الأبد.

استندت «إندبندنت» إلى وثائق كانت الحكومة البريطانية قد أفرجت عنها وقتها تحت قانون حرية المعلومات، كشفت أن بلير أجرى في السنوات الأخيرة، ستة اتصالات مع مردوخ وكلها في أوقات مفصلية وحاسمة: ثلاث منها في الأيام التسعة التي سبقت اجتياح العراق، وآخرها كان قبل يوم واحد من الاجتياح. لم تتأخر نتيجة تلك الاتصالات، بعدها بأيام، شنت صحيفة «الصن»، المملوكة لمردوخ، هجوماً شرساً على الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بسبب معارضته غزو العراق وسعيه للحصول على مكاسب مادية على حساب المبادئ في أعقاب الاتصالين الأوليين في حين كشفت عن معرفتها ببدء الاجتياح عقب الاتصال الثالث وامتدحت وصفه بأنه شجاعة الرئيس الأميركي جورج بوش وبلير.

مضت شهور طويلة على نشر تلك المعلومات. لم ينفها مردوخ، على العكس، أكد في أكثر من مناسبة على دوره في تشكيل الرأي العام العالمي من أجل تفويض مجرمي الحرب بالقوة الشعبية اللازمة لتدمير العراق. لم يستدعه أحد من قبل. دماء العراقيين، والعرب، لا تعني برلمانات بريطانيا وأميركا واستراليا. إنها لا تصنف ضمن خانة «انتهاك الخصوصية»، فهذه ميزة تتمتع بها شعوب وأعراق «راقية». ليس للعراقي «خصوصية»، وإذا انتهكت حياته، أرضه، منزله، جسده، كرامته، ستغلق الملفات «لعدم كفاية الأدلة». محاسبة مردوخ مسرحية هزلية لا تهم كثر منها بشيء!