فكرتان سيطرتا عليّ خلال اليومين الماضيين؛ كثرة الظهور الإعلامي لمعارضي الثورات الشعبية العربية الذين يحملون ألقاب "الخبير" أو "أستاذ الجامعة"، وأخبار متفرقة عن مرض غامض يصيب فاكهة البطيخ في المغرب، وعن دراسات علمية عالمية تنذر بقرب انقراض ثمرة الموز كما نعرفها!، ووجدت أن ثمة رابطاً عضوياً بين الأمرين، مستعيناً بأمثلة شعبية لطالما ساقها لي صديق عن "البطيخ الذي لا يطفئ جوعاً"، و"الموز الذي يتغاوى بسطوعه، لكنه سرعان ما يهترئ منقلباً إلى الأسود الداكن".

هكذا هم أولئك الأساتذة و"الخبراء": سريعو الاشتعال كما الموز، يسطعون علينا بآراء وأفكار "مريخية"، لا تمت إلى الواقع بصلة، مستخدمين عضلات لغة الضاد، فلا يتركون تشبيهاً ولا صيغ مبالغة ولا أفعل التفضيل، إلا يعلكونه. لكنهم، لفرط حماستهم، ومزايدتهم الملكية أكثر مما يريد الملك، يورّطون شياطينهم في مواقف وإحراجات، بما يسوقونه من أساطير ذات منطق ضعيف وحجة واهنة. سريعاً، وكما الموز الذي يسودّ، يتم استبدالهم، حتى إذا غبت يوماً أو اثنين عن نشرة الأخبار، صادفت وجوهاً جديدة.

المفاجأة أن موز الأساتذة والخبراء ذلك، لكثرتهم، يجعلك تفكر في الوضع المتردي للتعليم الجامعي كما للجهد البحثي في عالمنا العربي. فلو كان كل هذا العدد، في قاعات المحاضرات وفي مراكز البحث، على تلك "الخبرة" والشغف الذي يعبر عنه في نشرات الأخبار، دفاعاً عن بعض الأنظمة، لكان يفترض أن يكون عالمنا العربي أفضل بكثير.

وهم مثل البطيخ أيضاً؛ كلامهم لا يغني ولا يسمن من جوع. لغة ببغائية خشبية تشكك في عين الشمس. تقلب الحقائق، تردد الأهازيج، وتتمسك بعبارات رثة عن الممانعة والقومية والمؤامرة، من تلك التي لم تعد جدتي مقتنعة بصوابيتها، فكيف بابن العشرين الذي، قبل أن يتظاهر، يتحرى مئات المصادر يومياً عبر "فيسبوك"، ويتواصل في الثانية عبر "تويتر". كلام البطيخ لكثرته، أقوم بسد "صنبور" الريموت كونترول عنه، فلا يدفق ماؤه، وأصير أراقب حركة الشفاه السريعة، فيخطر لي أنني في بركة الضفادع المليئة بطحلب نتن.

ثمة دماء في شوارع العرب، وليمة للطحالب، لأعشاب البحر، للموز والبطيخ الذي سينقرض.. لا محالة!